عندما يُطلّ علينا شهر رمضان ببركاته ونفحاته وخيراته يُسارع المسلمون إلى عمارة المساجد؛ لأداء الفرائض والنوافل وصلاة التراويح، وقراءة القرآن، وحضور حِلق العلم وذكر الله تعالى.

ولا تنقطع أياديهم البيضاء عن الصدقات، وفعل الخيرات، وإصلاح ذات البين، والكثير من أعمال البر والتقرب إلى الله.

فإذا مضى بعض الشهر تهاون الناس في تعلقهم بالمساجد والمواظبة على الصلاة في جماعة، بل إن منهم من تفتر همته في العشر الأواخر التي ينبغي للمؤمن أن يشد فيها أزره ويوقظ أهله، فإذا انسلخ شهر رمضان أضاع الصلاة واتبع الشهوات، وأحجم عن فعل الخيرات، ودنّس لسانه بالغيبة والنميمة والوشاية بين الناس، والخوض في أعراضهم، وانقلبت أحواله رأسًا على عقب؛ فكان كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، وكأنّ الصلاة والإحسان وصلة الأرحام والصدقة وحِلق العلم والذكر وإمساك اللسان والفضائل كلها لا يُطالَب بها  المسلم – في اعتقاد هذا الواهم – إلا في أيام الشهر الفضيل.

لقد أمرنا ربُّنا بالمواظبة على العبادة إلى أن توافينا المنية، قال الله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)؛ فإذا ما انتكس الإنسان بعد رمضان فسد مزاجه، واستعصى علاجه، وأخلد إلى الأرض، وساء خلقه، وتخلف عن مواطن الجد والاجتهاد.

لقد نسي بعض الناس أو تناسوا أن المواظبة على الطاعة بعد رمضان علامة القبول؛ لأن علامة القبول دوام الطاعة، وعلامة الحرمان الإفراط والإضاعة.

ولهؤلاء نقول: يمكن أن نجعل من شهر رمضان غذاء لأرواحنا وأبداننا طيلة العام، وبالأداء نفسه الذي أديناه في رمضان؛ فنجعل رمضان محطة تغيير في حياتنا، تغيير من سيء إلى حسن، ومن حسن إلى أحسن؛ وذلك بأن نستمر على الحماس في العبادة والدعاء والاستغفار كما كنا عليه في رمضان.

أيها القارئ الكريم، عليك أن تجعل حب الله تعالى وحب رسولِه صلى الله عليه وسلم حائلًا بينك وبين المعاصي، وأن تستحيي من الله حق الحياء، وأن تجالس العلماء والصالحين والفضلاء، وتقدم الخير للناس، وتنفق على المحتاجين، وتطعم الطعام، وتكف لسانك عن الحرام، في جميع أيامك كلها، ولترع توفيق الله لك في رمضان؛ فلا تضيعه في غير رمضان؛ فبئس رجلًا يعبد ربه في رمضان ويهجر عبادته في أحد عشر شهرًا.

وضع – أخي القارئ-  نصب عينيك أن رب رمضان هو رب شعبان وشوال وسائر الشهور، وأنّ من كان يعبد رمضان فإن رمضان يقبل ويدبر ويفوت، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يزول ولا يتحول، ولا يطرق ساحته زوال.

اللهم ثبتنا على عمل الصالحات، وأعذنا من الضلال بعد الهدى، اللهم آمين.

كاتب المقال أستاذ مساعد بجامعة الأزهر والجامعة الإسلامية ببروناى