سمسم الهلالي.. عاد من القاهرة بشهادة “التابعي” ليفتتح أشهر عربة فول بأسيوط

سمسم الهلالي.. عاد من القاهرة بشهادة “التابعي” ليفتتح أشهر عربة فول بأسيوط عمرو صاحب عربة فول سمسم الهلالي: تصوير- فاتن الخطيب

منضدة صغيرة وعدد بسيط من المقاعد، توضع لمن يود الإفطار، وموقد صغير يحمل حلة متسعة تحوي الفول الذي يقدم ساخنا وطازجا للزبائن، وعربة “ستانلس” بألوان ذاهية.. هذا هو مطعم عمرو المتحرك أو “فول سمسم”.

“سمسم الهلالي عربية فول”، نقش يزين واجهة وجوانب عربة من الإستانلس ذات واجهة زجاجية تقف على بداية المدخل المؤدي لمديرية التربية والتعليم بشارع الهلالي بمدينة أسيوط، التي ذاع صيتها مؤخرا كأفضل عربات تقديم الفول، حتى إنها صارت حديث كثيرين عبر واحد من أشهر جروبات موقع الفيس بوك في أسيوط وهو “كرش كيبرز”.

عربة فول سمسم الهلالي: تصويرح فاتن الخطيب
عربة فول سمسم الهلالي: تصوير- فاتن الخطيب

تامر محمود فهمي الشهير بـ “عمرو” والذي يبلغ من العمر 31 عاما من أبناء مدينة أسيوط، هو صاحب تلك العربة وأشهر صانعي الفول المدمس بالمدينة.

حصل عمرو على شهادة دبلوم فني صناعي قسم كهرباء ومنذ أن تفتحت عيناه على العالم الخارجي والحياة العملية سكن قلبه وعقله حلم واحد وهو أن يكون صاحب مطعم للمأكولات الشعبية، ورغم عمل والده في حرفة النقاشة إلا أنه رفض أن يُكمل مسيرة والده معلقا بقوله “أنا عيني وطموحي كان على الأكل”،  وقرر خوض تجربته فور إنهاء دراسته.

بحديث هادئ وملامح محفور يكسوها الرضا، يبدأ عمرو حديثه معنا، على عربة “فول سمسم” ليروي رحلته مع الفول، دون أن يتوقف عن ممارسة عمله ومتابعة سير العمل، وهو يقول:

– في السابعة عشر من عمري بدأت أخطو أولى خطواتي تجاه تحقيق حلمي وأرشدني صديقي إلى فكرة السفر للقاهرة،

وبالفعل سافرت معه وكنا مجموعة شباب كلٌ منا يحمل حلمه ويسير به حيث تشاء الأقدار أملا في تحقيقه، وسافرت وتعلمت صنعة صناعة الفول على عربة فول خشبية “شيك” بالسيدة زينب لدى واحد من أشهر صانعي الفول، وهو “التابعي”.

التابعي

وعن ذكريات عمله لدى “التابعي” اشهر عربة فول بالسيدة زينب يقول، مشيرا إلى فضلها عليه في إكسابه سر المهنة:

– عملت لدى مطعم “التابعي” خمس سنوات، قضيت سنة منهم على عربة الفول مهمتي “التكييس” أي وضع الساندويتشات في أكياس وتقديم الطلبات للزبائن، وبعدها صرت “شيف” على العربة.

ويضيف: انتقلت بعد ذلك للعمل في محل التابعي وتركت عربة الفول، وما جعل صاحب المطعم ينقلني إلى المطعم هو أنه وجدني قد أتقنت الصنعة فطوال الوقت كنت أصبو وأعمل جاهدا لتطوير نفسي.

عمرو صاحب عربة فول سمسم الهلالي: تصوير- فاتن الخطيب
عمرو صاحب عربة فول سمسم الهلالي: تصوير- فاتن الخطيب

زجاجات الزيت وعلب الطحينة وكراتين البيض والعُلب البلاستيكية البيضاء تتراص جميعها جنبا إلى جنب وتتزاحم  لتحتل لنفسها مكانا خلف الفاترينة الزجاجية لعربة الفول، وأمامها يقف عمرو يحشو الساندويتشات ويُعبئ البصل المغموس في الخل والكمون ومعه قطع الخيار في كيس آخر لتحضيره للزبون.

يستأنف حديثه: سفري للقاهرة كان نتاج رغبة في تحقيق حلمي إضافة إلى رغبتي في تحسين الحالة المادية لي “كنت عايز أصرف على نفسي”، وأجرت مكانا أنا وأصحابي الذين سافرت معهم، وأكثر ما دفعني للسفر لتعلم الصنعة بالقاهرة هو أن أسيوط لا يوجد فيها من يعلمك “هو بياخد الصنايعي يشغله وخلاص”، على عكس القاهرة وعلى عكس ما أفعله أنا اليوم فأنا أعلم الصنايعية الذين يعملون معي.

ونحن ثلاثة أبناء ذكور وأنا الإبن الأكبر وفي بداية سفري عارض والدي رحمه الله ووالدتي الأمر لخوفهم علىّ وخاصة لأني كنت صغير السن ولم أخرج للعمل قبل ذلك خارج أسيوط، ولكني أقنعتهم من خلال النقاش الهادئ، وسافرت بالفعل في العام 2007.

النظافة تبدو واضحة في مكان تجهيز الطلبات: تصوير- فاتن الخطيب
النظافة تبدو واضحة في مكان تجهيز الطلبات: تصوير- فاتن الخطيب

الساعة لم تدق الثامنة صباحا بعد وكثير من المارة يتوافدون صوب عربة “سمسم”، يصمت عمرو لثوانٍ معدودة، ملتفتا إلى أحد الزبائن لسماع طلبه ثم يعود لاستكمال حديثه:

– في العام 2012 بدأت أفكر في الرجوع لأسيوط بعدما أتقنت الصنعة ورأيت أنه آن الأوان للعودة والعيش وسط أهلي، وعدت وبدأت في عمل المشروع الخاص بي،

يشير إلى أحد العمال بإنجاز مهمة ثم يردف قائلا:

– كان مشروعي الخاص عبارة عن عربة خشبية منمقة ووضعتها في شارع “النميس”، ثم تزوجت وابتعدت قليلا ثم عدت مرة أخرى للعمل في نفس العام ووجدت المشروع بدأ ينجح رويدا رويدا رغم قلة الدخل مقارنة بالقاهرة ولكنه كان جيدا بالنسبة للظروف المادية للناس في أسيوط.

عمرو أثناء مباشرة عمله في اعداد وجبات الفول: تصوير- فاتن الخطيب
عمرو أثناء مباشرة عمله في اعداد وجبات الفول: تصوير- فاتن الخطيب
صعوبات

ويتابع،  في أول سنة واجهت بعض الصعوبات وكان هناك بعض الخسائر نظرا لأن المكان غير معروف وهذا شئ طبيعي ولكني لم أشعر لحظة باليأس بل استكملت مسيرتي بكل قوة “كان نَفَسي طويل شوية” وكنت واثقا من نفسِي ومن صنعتي ومهارتي التي اكتسبتها طوال فترة العمل بالقاهرة.

“لما اتعلمت صح واشتغلت صح وأديت الصنعة حقها قدرت أنجح”، يشرح الشاب أسرار النجاح في مهنة تعتبر المنافسة فيها مستحيلة لكثرة عربات ومطاعم الفول، لكن النجاح فيها يحتاج إلى “أن أهتم كثيرا بالزبائن وحسن المعاملة يعنى أجي على نفسي وماجيش على الزبون، وأهم شيئ الضمير”.. هذه هي أسرار النجاح بالنسبة لعمرو.

ويضيف: الحمد لله الدخل بيكفيني والمشروع ناجح واستبدلت العربة الخشبية بعربة من الإستانلس منذ أربع سنوات، ورزقني الله بأربعة أبناء ثلاث بنات وولد أكبرهم “منة” في الصف الرابع الابتدائي.

ويتابع بفخر: أخذت إخوتي في طريقي وعلمتهم الصنعة ونحن نعمل حاليا نظام “شيفتات” على العربة أنا أبدأ من الثالثة فجرا حتى الواحدة ظهرا ثم يتسلم أخي أسامة العمل من الثانية ظهرا وحتى الثانية صباحا. وأخي أسامة هو من أطلق على العربة إسم “سمسم الهلالي”.

وحول سر نجاحه يروي: استخدم الفول البلدي ولكن السر في الصنعة، وأقدم مأكولات أخرى مثل البطاطس والجبن بالطماطم والخيار والطعمية وبابا غنوج ولكن الإقبال الأكثر على الفول، وأنا من أدمس الفول بنفسي.

عمرو يعد طبق فول لأحد الزبائين: تصوير- فاتن الخطيب
عمرو يعد طبق فول لأحد الزبائين: تصوير- فاتن الخطيب

افتتاح مطعم للمأكولات الشعبية هو حلم عمرو الذي حارب لأجله بكل قوة ومستمرا في حربه نحو تحقيقه وبدأ في اتخاذ أولى خطوات تحقيقه معلقا بأنه ينوي افتتاح المطعم بشارع الهلالي في نفس مكانه لكثرة الحركة به.

“أهم حاجة الطموح”، آخر كلمات عمرو التي حرص على تقديمها لأقرانه من الشباب قائلا: ط”لديك الطموح ستصنع المستحيل ولن يتسلل اليأس لقلبك وكل شيئ صعب في بدايته ولكن سيهون مع الوقت ويتحقق الحلم”.

عمرو يعاون أحد العمال على عربة الفول: تصوير- فاتن الخطيب
عمرو يعاون أحد العمال على عربة الفول: تصوير- فاتن الخطيب
الوسوم