صور| “التنجيد”.. مهنة يقاسي أصحابها من أجل الحفاظ عليها

كتب -

تصوير – أحمد دريم:

في منطقة القيسارية أقدم مناطق محافظة أسيوط، والتي تشتهر بتواجد عدد لا بأس به من المنجدين داخل أزقة وشوارع ضيقة، حيث تتنوع المحال وتتكدس المنتجات التي يتففن بائعيها في الترويج لها.

قادتنا أقدامنا إلى هناك، إذ رأينا رجلا كبيرا في السن يجلس على كرسي خشبي وأمامه ماكينة حياكة يقوم بقص قطع القماش وحياكتها صانعا منها أغطية للوسادات والأسَرة، وبجواره جوال من القطن يحجبه عن رؤية المارة..”ولاد البلد” التقت عدد من المنجدين للتعرف عما وصلت إليه المهنة.

مهنة متوارثة

ربيع محمد عبدالحميد، يبلغ من العمر 58 عامًا، ويعمل في مهنة التنجيد التي ورثها أبًا عن جدًا في محل صغير يمارس مهنته ليقتات منها ما يعول به أسرته.

“إحنا زي السمك، لو طلع بره الميه يموت، وإحنا لو تركنا التنجيد نموت”، بتلك الكلمات يصف ربيع حاله في حبه لمهنة التنجيد ومدي عشقه واتقانه للصنعه التي قاربت على الاندثار مثلها مثل مهنة مبيض النحاس التي لا يعرفها إلا من يبحث عن صاحبها ويريده في صناعة شيئ ما.

بنبرات يخالطها الخوف من الغد وعدم الأمان، يحدثنا ربيع قائلا:” أنا ورثت المهنة عن أجدادي وآبائي، وفوق ده كله المحل اللى تركه لينا جدي كان ميراثنا الوحيد، المحل ده بيصرف على 3 بيوت، بيتى أنا وأسرتي المكونة من 5 أفراد، وأسرة أخي ومكونة من 9 أفراد، وأختي المعاقة”.

ويتابع ربيع:” إحنا عايشين يوم بيوم، مش بنفكر فى بكرة، النهاردة معانا بنصرف بكرة مش معانا أهو عايشين، الي جاى على قد اللى رايح، وبنقول الحمد لله”.

ويشرح ربيع مراحل صنع المرتبة القطنية قائلا: تبدأ عملية التنجيد من خلال تهوية القطن وتنفيضه، ثم خياطة قماش أبيض على شكل مستطيل يترك مفتوحا من أحد جوانبه، ثم يتم حشو القطن بداخله ويوزع حتى لا يصبح قطعة واحدة ويتم خياطة الجانب المفتوح، وتأتي بعدها مرحلة تخزيم المرتبة وعمل “خوزامات” وهي خياطة المرتبة على أنحاء متفرقة من المنتصف، ثم تأتي المرحلة الأخيرة وهي وضع المرتبة داخل قماش ملون ويتم خياطته عليها، وبذلك تصبح جاهزة للاستخدام”.

ويقول ربيع إنه كان يوجد بالقيسارية أكثر من 200 منجد، اتجه معظمهم إلى تغيير مهنته فمنهم من غيّر المحل ليصبح محلا للبقالة، ومنهم من حوله لمحل خردوات وغير ذلك، فأصبح عددهم الآن حوالى 50 منجدا فقط؛ وذلك بسبب سوء الدخل وعزوف الناس عن التنجيد واتجاههم إلى شراء المراتب الاسفنج.

المراتب الاسفنج

“المراتب الاسفنج وقفت حالنا، الشباب المقبل على الزواج بيشتريها عشان موجودة طول الوقت، وكمان الدعاية التليفزيونية ليها دور إنها بتشجع الناس تشترى المراتب السوست والاسفنج، وزيادة على كدا الضمان الذى يحصل عليه المشترى وهو سنة أو سنتين ويمكن أن يصل إلى عشر سنوات”، كانت تلك كلمات محمد شوشة، 38عامًا، منجد آخر وجدناه يجلس داخل محله ممسكا ببعض الأقمشة.

ويتابع  شوشة بنظرات مترقبة للمارة بعض الوقت، ومركزا في عمله في وقت أخر، وبصوت بائس يقول إن المنجدين حاليا لا يعتمدون على مهنة التنجيد، إنما يعتمدون على العمل اليدوى المتمثل فى صناعة الستائر وصناعة الوسادات وغيرها، بعد ظهور المراتب الاسفنج.

القطن مُكلف

ويوضح شوشة أن صناعة المراتب القطنية تعد مكلفة جدا بالنسبة للشباب، فالمرتبة ووسائدها تأخذ حوالى قنطارا من القطن، وأسعار القطن تبدأ من 300 إلى 700 جنيهًا، بالإضافة إلى الوسادات والقماش الأبيض والقماش الألوان، ومن ثم تصل تكلفة المرتبة الواحدة إلى حوالى 1500 جنيها، لهذ السبب يلجأ الشباب إلى شراء المراتب الجاهزة “الاسفنج أو السوست” المنتشرة في الأسواق وتبدأ أسعارها من 700 جنيها.

موضة

يقول محمد مصطفى، 32 عامًا، منجد، إن شراء المراتب الاسفنج أصبح موضة، رابطا ذلك بحب التقليد لدى الشباب، وواصفا إياه بالتقليد الأعمي، مشيرًا إلى أنه قد يعود الشباب إلى التنجيد والحرص على اقتناء المراتب القطنية حالما يكتشفوا عيوب المراتب الاسفنجية المتمثلة فى نقص حجم الاسفنج مع مرور الوقت، وظهور السوست ما يؤدى لألم الظهر، كما أنها تصبح تسبب سخونة في الصيف.

القطن والاسفنج والسوست

ويقارن نبيل اللول، 55 عامًا، تاجر، بين مراتب القطن والاسفنجية والسوست، فيقول المراتب القطنية مريحة للظهر وتنتج من القطن الطبيعي، والاسفنجية متعبة ولا يستطيع الفرد أن ينام عليها لفترة طويلة متواصلة، كما أنه من أبرز مخاطرها من الممكن أن ينقص حجم الاسفنج وتبرز السوست التى تسبب ألم للظهر.

ويوضح اللول أنه بعد أن يكتشف الشخص عيوب المراتب الاسفنجية بنفسه يصبح غير قادرا على تحملها، ويبحث مرة أخرى عن التنجيد وعن المراتب القطنية.

 مهنة التنجيد

 ظهرت منذ قديم الأزل ويتوارثها أصحابها من آبائهم وأجدادهم، لكنها اندثرت حاليا نتيجة لتطور الصناعات وظهور صناعة المراتب الاسفنجية والسوست.

الوسوم