صور| الدكتور أميل حنا.. طبيب منفلوط الزاهد الذي لا يتعدى سعر كشفه 20 جنيها

صور| الدكتور أميل حنا.. طبيب منفلوط الزاهد الذي لا يتعدى سعر كشفه 20 جنيها

ثمانية وثمانون عاما هي عمر طبيب منفلوط الزاهد الذي رفض زينة الدنيا ومتاعها وبحث عن رضا الله وحب الناس.. الدكتور أميل حنا ميخائيل، ممارس عام ابن مدينة منفلوط، الذي لا يخلو بيت بالبلدة إلا وتلقى أهله العلاج على يديه، سعر تذكرة كشفه 20 جنيها، في الوقت الذي تصل فيه لدى غيره بمنفلوط مائة جنيه وفي مدينة أسيوط قرابة 500 جنيه.

المكان

في أحد أزقة شارع البستان بمدينة منفلوط، الذي يعج بالمحال التجارية تستقبلك عيادة الطبيب الزاهد، عيادة إيجار قديم فاق عمرها الخمس وخمسين عاما، حيث الباب الخشبي شديد القدم، الذي تعلوه لافتة خشبية سوداء مخطوط عليها اسمه باللون الأبيض.

إنها عيادته التي افتتحها بمنفلوط، بيت قديم متهالك سقفه من جريد يكسوه الجبس، وحوائطه من طوب أحمر يترابط ببعضه بالطين نهشتها الشروخ الذي شق البياض القديم.

البداية

ولد الدكتور أميل في العاشر من سبتمبر عام 1931، وهو الطفل الثالث بين خمسة أبناء لأب يعمل موظف حكومي وأم ربة منزل.

اجتهد حتى التحق بكلية الطب جامعة عين شمس، عاش في أسرة بسيطة لديها ما يكفيها ولم يشعروا يوما أن هناك شيئا ينقصهم.

تخرج في كلية الطب في العام 1954، وتسلّم عمله الحكومي في المنيا، وأول عيادة افتتحها كانت في أبو قرقارص، وتنقل في عمله عبر جميع المحافظات، وفي كل مكان ينتقل إليه كان يفتح فيه عيادة، وكان الكشف فيها بأجر رمزي، وعاد إلى أسيوط في  1963،


وتزوج وأقام هو وعائلته.

“بحب مصر”

فور الوصول لعيادته عليك أن تجتاز طرقة طويلة يكسوها البلاط العتيق المزركش بنقش أبيض وأسود، وبداخلها مقعد خشبي خشبية مستطيل ينتظر عليه المرضى الذين لا يكفُون عن التردد على العيادة، وحول سبب انخفاض تذكرة الكشف يروي: “أنا بحب كل الناس وبحب أخدمهم وبحب مصر وعشان بحبها قررت أخدم أهلها، مصر عطتنا كل حاجة وفضلها كبر عليا، علمتني ببلاش جوزتني ببلاش عملت أولادي ببلاش وجوزتهم ببلاش، كله كان بتراب الفلوس، أنا مدين لمصر بكل حاجة”، ولهذا رفضت تماما الخروج للعمل بالخارج في أي بلد عربي رغم كثرة العروض التي كانت متاحة أمامي، “أنا كنت راضي بنصيبي وعمري ما بصيت للي في إيد غيري”.

الزواج

لا تمل من حديثه أبدا فبكل حرف ينطقه تختبئ آلاف الحكايات الجميلة، ويُكمل: حينما تزوجت كان كل ما أملكه 5 آلاف جنيه وسيارة صغيرة، “محبتش حد في حياتي غير مراتي”، هي خير رفيقة لدربي، ساندتني ووقفت في ظهري، كان ومازال الرضا منهج حياتنا “مجاتش في يوم طلبت مني حاجة أكبر من طاقتي”.

كان لدي راتبي ولا أملك غيره من حطام الدنيا وحتى ميراثي 18 فدانا بعتهم جميعا لأجل إخوتي ولم أتحصل على جنيه واحد من ثمنهم فالمهم عندي كان راحة أهلي.

وبعد زواجي رزقني الله بابنتين عشنا أسعد حياة نتنزه ونذهب للمصيف وما حرمت بيتي من شييء وما خرجت يوما لقضاء فسحة بدونهم، كنت أفعل كل شيء ولكن بدون “فشخرة” وراضٍ بنصيبي “كنت ماشي على أدي” وعشنا أسعد حياة، وطوال الوقت أشكر الله على نعمه “فأما بنعمة ربك فحدّث”، ولم أتطلع لحظة لما في يد غيري.

مسيرة

حين افتتح الدكتور أميل أول عيادته بمنفلوط كانت تذكرة الكشف ثلاثة جنيهات، واليوم وصلت ٢٠ جنيها، ورغم ذلك فهو حزين لأنها كانت ١٠ جنيهات، ولكنها زادت بسبب الأطباء الذين يعملون بدلا منه فقط في فترة إجازة المصيف فرفضوا العشرة جنيهات، معلقا بقوله: “العشرين جنيه دي اضطرتني ليها الظروف مش بوخطري بس عشان الدكاترة، ونص المرضى بكشف لهم ببلاش وكمان اللي مش معاه بديله عينات دوا ببلاش”، “أحلى حاجة في الدنيا القناعة وحمد ربنا على نعمه”، ونحن في نِعِم من الله لا تُعد ولا تُحصى.

الرضا

على وجهه ابتسامة رضا كما لو كان يملك جِنان الأرض، وخلف تجاعيد وجهه حكايات كثيرة يقتطف ما بين حين وآخر أقصوصة منها، ليسترجع عبق الماضي، مستأنفا حديثه: “كان نفسي أجدد العيادة وأعمل حاجة أحسن لما حد بيجي يزورني ببقى مكسوف” ولكن الأهم عندي هو راحة الناس. ودخلي ليس بضعيف “أنا بشتغل زي أحسن دكتور في منفلوط”، ومعي ما يكفيني ويزيد، وأمنت زوجتي وبناتي بما يكفيهم شر الزمان “وعمرنا ما احتجنا حاجة من حد، “وربنا ما يحوجني لحد”.

يضيف: “لم أتمنى شيئا في حياتي سوى رضا الله ورؤية الفرحة في عيون الناس.. أنا مش بنزل العيادة عشان أكسب فلوس أنا بنزل عشان أقابل الناس وأقعد معاهم أنا بحب الناس”، وأحب الأطفال كثيرا.. أنا إنسان بسيط وفي حياتي ما تشاجرت مع أحد ولا شربت كأس خمر ولا سيجارة ولا حتى فنجان قهوة”.

الكِبر

في بداية حياته كان لديه القدرة على استقبال 80 مريض في اليوم ولكن مع تقدم العمر صار لا يقوى سوى على العمل ساعتين في الفترة الصباحية ومثلهم في الفترة المسائية بل إنه صار بحاجة لمرافق يستند عليه للنزول للعيادة ورغم ذلك مصمم على استكمال مسيرته في خدمة الناس. معلقا بقوله: “وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا”.

وحول إن كان نادما ندم لتركه فرصة السفر وجمع أموال أكثر رفع سبابة يده منتفضا رافضا مجرد الفكرة: إطلاقا إطلاقا فلماذا أقول ياليت؟ فلقد منّ الله علىّ بكل شيئ جميل والحمد لله لدي ما يكفيني ويزيد، “طول الوقت بحمد ربنا على كل حال وأي حال  أنا حاسس نفسي ملك”.

رسالة

المرض هذه الأيام أقل قسوة من الدكاترة وما يفعلونه في الناس – هكذا علّق الطيب الزاهد على الارتفاع الملحوظ في أسعار كشف الأطباء – ورسالتي لهم وللجيل القادم “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، واللي عند الله ميروحش”، ومن قال إن المال يفعل شيء؟ المال فقط للأكل والشرب لكن لا يدرأ عنا الخطر ولا يدفع عنا المرض، والله فقط هو الحافظ ومن يحمينا والسعادة في الرضا والقناعة.

الوسوم