صور| من أجل التعليم.. حياة أطفال نجع رويشد “على كف عفريت”

صور| من أجل التعليم.. حياة أطفال نجع رويشد “على كف عفريت” معاناة تلاميذ نجع رويشد لأجل التعليم- تصوير: محمود المصري

“بنركب 30 أو 40 عيّل مع بعض لو لقينا عربية”، عبارة قالها أحد تلاميذ مدرسة إعدادية، ليصف حال أكثر من 150 طالبا من أبناء نجع رويشد التابع لقرية عرب مطير في مركز الفتح بأسيوط، وما يعانونه يوميا لأجل الذهاب إلى المدرسة الإعدادية في أقرب قرية لهم.

“الأسايطة” ترصد معاناة الطلاب في التحقيق التالي..

مدرسة عرب مطير الاعدادية - تصوير: محمود المصري
مدرسة عرب مطير الاعدادية – تصوير: محمود المصري

الساعة تقترب من الواحدة والنصف ظهرًا، تقف أمام مدرسة “عرب مطير الإعدادية الجديدة المشتركة”، سيارات “ربع نقل”، بعضها له غطاء “كبود”، تتنظر خروج طلاب المدرسة، يلتفت هلالي محمد سلامة، تلميذ بالصف الثالث الإعدادي بالمدرسة، للسيارات التي تقلهم من أمام المدرسة، لم يرَ سوى سيارة واحدة، وقد تشابكا حولها وعليها أقرانه بالمدرسة، منهم من صعد أعلى “كبود السيارة”، ومنهم من امسك بالحديد في الجانبين، حملت السيارة الواقفة نحو 30 تلميذا ويزيد وتحركت.

رحلة العودة

وقف هلالي، مثله مثل العشرات من زملائه وأصدقائه بالمدرسة من أبناء النجع الذي يسكن فيه، الجميع يترقبون وصول سيارة، بضع دقائق، ملّ الجميع من الانتظار، هم هلال ومعه رفاقه للتحرك إلى خارج شارع مجمع المدارس الذي تقع فيه مدرستهم.

طلاب نجع رويشد يتحركون أملا في ايجاد مواصلات
طلاب نجع رويشد يتحركون أملا في ايجاد مواصلات

يتحرك الجميع لنحو 500 مترا من مدرستهم في أشكال أفواج متقطعة، وفجأة يركض الجميع على سيارة ربع نقل حمراء اللون بدون غطاء، توقف السائق، والجميع كانوا يتسارعون ليحصل كل منهم على مكانه بداخل السيارة، حملت السيارة نحو 25 تلميذا منهم، وتحركت قاصدة نجع رويشد.

في الصباح

يصف هلالي سلامة، يومه منذ الصباح وكيف يتحرك من قريته قاصدا المدرسة، ورحلة العودة لمنزله ويقول: أتحرك في الصباح من النجع الساعة السادسة أو السادسة والنصف، لكي أجد وسيلة موصلات للمدرسة في القرية المجاورة والتي تبعد ما يقرب من 5 كيلومترات.

هلالي وزملائة ينتظرون سيارة
هلالي وزملائه ينتظرون مواصله

“في الصباح الجو بارد والسيارة مكشوفة”، يكمل هلالي وصف حاله وزملائه مضيفا: نركب سيارة ربع نقل مكشوفة من الخلف والجو شديد البرودة، وهو ما يعرضنا للإصابات بنزلات البرد، “بنكون زي البهايم”.

معاناة تلاميذ نجع رويشد لأجل التعليم- تصوير: محمود المصري
معاناة تلاميذ نجع رويشد لأجل التعليم- تصوير: محمود المصري
برد وسقوط

وهنا يتدخل قطب رأفت عبدالمقصود، تلميذ بالصف الثاني الإعدادي، ليؤكد تعرضه لضيق تنفس نتيجة الأتربة وبرودة الجو في الصباح أثناء ركوبه سيارة ربع نقل للذهاب للمدرسة، ويضيف قائلا: “مش ضيق نفس بس، أنا كمان وقعت من العربية اللي كنت راكبها واتعورت في رجلي”، مشيرا إلى ساقه وما بها من كدمات وإصابات.

قطب تلميذ بالصف الثاني الإعدادي
قطب تلميذ بالصف الثاني الإعدادي

ويضيف قطب، “بنركب في العربية ييجي 30 أو 40 عيل مع بعض، وكل واحد بيحاول يمسك نفسه من الزحمة، وكمان المطبات اللي في الطريق، ووقعت بسبب كده”.

ساق الطفل قطب المصاب أثر سقوط من سيارة
ساق الطفل قطب المصاب أثر سقوط من سيارة

ويتدخل شقيق الطفل قطب، ويقول “رجع متعور بعد ما وقع من العربية، والبلد مفيهاش حتى وحدة صحية وأقرب مستشفى في أسيوط الجديدة أو أسيوط نفسها، يعني نحتاج 200 جنيه على الأقل علشان ننقذ حد تعبان”، مطالبا بتوفير وحدة صحية.

طريق سيئة

ويعود هلالي للحديث مرة أخرى، ليقول إن الطريق الوحيدة الواصلة بالقرية فعليا غير ممهدة، وهي عبارة عن أتربة ورمال، وتكسير بطول السكة، ومطبات بطول المسافة بين النجع والقرية، وهو ما يزيد أعبائنا ووصلولنا للمدرسة وقد حملنا أحمالا من الأتربة والبرد.

ويتسائل وحيد عطوة، مسن من أهالي القرية، عن سبب تأخير رصف الطريق من النجع للقرية، مشيرا إلى أنه كانت هناك ميزانية، “راحت فين الميزانية، وليه مفيش رصف لدلوقتي؟”.

العودة سيرا

المشهد في الطريق من القرية التي تقع بها المدرسة للنجع الذي يقصده أبنائه للعودة لمنازلهم طويل، يتخطى الـ 5 كيلومترات، بعض التلاميذ وجد ضالته وإن كانت متعبة في ركوب سيارة مكشوفة وزحام، وبعض أخر اشترى بما تبقى معه من مصروف “لب”، ليتسلى طوال طريقه الممتد، وهو وصف حال للتلميذ عبدالوهاب، بالصف الثاني الإعدادي.

الطفل عبدالوهاب يقضي طريقه سيرا لمنزله
الطفل عبدالوهاب يقضي طريقه سيرا لمنزله

يقول عبدالوهاب “بمشي من قدام المدرسة كده لغاية ما ألقى مواصلة، لو ملقتش بفضل ماشي لغاية ما أوصل البيت”، وبينما يحدثنا الطالب، وإذا بمركبة “توك توك” تعطي تنبيها، فيلتفت إليها التلميذ ويتركنا مسرعا ليجد مواصلة تقضي على باقي المسافة المتبقية.

عبدالوهاب يعثر على مواصلة فيجري للالتحاق بها
عبدالوهاب يعثر على مواصلة فيجري للالتحاق بها
حرمان الفتيات

المعاناة لم تكن فقط للصبيان، ولكن بُعد المسافة بين النجع والمدرسة، يتسبب في حرمان فتيات نجع رويشد من استكمال تعليمهن، ويتوقف حد التعليم لهن حتى نهاية المرحلة الشهادة الإبتدائية فقط، وهو ما أكده رمضان فرج، أحد أهالي القرية.

“أنت شفت الولاد متبهدلين إزاي، هنسيب البنات كمان للبهدلة دي”، بهذه الجملة يبرر فرج، أسباب عدم السماح للفتيات بالذهاب للمدرسة الإعدادية في القرية المجاورة، وتوقف تعليمهن، ويتفق معه غاندي محمد رويشد، مضيفًا أن انتقال التلاميذ من النجع للقرية يكلف الأسرة نحو 10 جنيهات يوميا للفرد الواحد، ويقول: “ممكن البيت ميكونش فيه الـ10 جنيه دي علشان يديها الراجل لعيله يروح المدرسة”.

غاندي محمد أحد ساكنى القرية
غاندي محمد أحد ساكنى القرية
مدرسة فترتان

وهنا يقدم محمد هاشم، رئيس مجلس أمناء مدرسة نجع رويشد الابتدائية المشتركة، مقترحين للخروج من الأزمة الحالية وراحة أبناء النجع، وتساعد في عودة التعليم للفتيات أيضا، الأول وهو تحويل المدرسة الموجودة بالقرية لفترتين.

مدخل مدرسة نجع رويشد الابتدائية
مدخل مدرسة نجع رويشد الابتدائية

ويوضح هاشم، المقترح الأول وهو أن يتم تخصيص الفترة الصباحية للمرحلة الابتدائية، والفترة المسائية لطلاب المرحلة الإعدادية المشردين للقرية المجاورة، موضحا أن قدرة المدرسة نحو 440 تلميذا وتلميذة، منهم من يكمل يذهب للمرحلة الإعدادية لا يتجاوز 180 تلميذا في الصفوف الثلاثة، أغلبهم أولاد دون البنات.

محمد هاشم، رئيس مجلس أمناء بمدرسة نجع رويشد
محمد هاشم، رئيس مجلس أمناء بمدرسة نجع رويشد

أما المقترح الثاني، وهو بناء جناح من 3 فصول فقط، ليلتحق به أبناء المدرسة ويخصص للشهادة الإعدادية، وهناك مساحة تبلغ نحو 100 مترا في عرض 5 أمتار تصلح لهذا الغرض.

رياض الأطفال

ويكشف هاشم عن عدم توافر فصول لرياض الأطفال بالمدرسة الابتدائية الوحيدة في القرية، وأنه كان هناك فصلان، تستخدمهم حاليا المدرسة كفصول للقضاء على الكثافة الطلابية التي تجاوزت الـ 80 طالبا في الفصل الواحد، مشيرا إلى أن المقترحات تساعد في حل كل هذه المشكلات في العملية التعليمية.

طلب للمحافظ

مصدر مسؤول بالتربية والتعليم – فضل عدم ذكر اسمه – قال طالما قوة المدرسة صغيرة “فصل واحد” فمن الممكن تطبيق مقترح تحويلها لفترتين، ويمكن ذلك من خلال تقديم مذكرة من قبل أحد النواب لمحافظ أسيوط.

رد المحافظ

اللواء جمال نورالدين، محافظ أسيوط، قال في اتصال هاتفي مع الأسايطة، إنه سيتم دراسة مقترحات تحويل المدرسة لفترتين وتختص بدراسة الأمر التربية والتعليم، بحيث يكون هناك توافر للمدرسين وإدارة للفترة المسائية، وما مدى إمكانية التطبيق.

اللواء جمال نورالدين، محافظ أسيوط ـ تصوير مكتب الإعلام
اللواء جمال نورالدين، محافظ أسيوط ـ تصوير مكتب الإعلام

وعن خطة الرصف، أوضح المحافظ أنه خلال الفترة المقبلة سيكون هناك تبديل للخطة الموضوعة، بحيث تشمل كل المناطق التي في احتياج فعلي بالإضافة إلى إنارة هذه المناطق المحرومة.

عن النجع

ويرجع أصل تسمية نجع رويشد بهذا الاسم إلى شخص جاء من شبة الجزيرة العربية، واستوطن هذه المنطقة، وهو ما يفسر أن أغلب القاطنين بالنجع ينتهي اسمهم بـ”رويشد”، ويعمل أغلب شباب القرية خارج مصر، والبعض الأخر في مجال الزراعة، ويبلغ عدد سكان النجع نحو 7 آلاف نسمة تقريبا.

الوسوم