صور| “نزلة الأبلق”.. حكاية قرية طريق التعليم فيها محفوف بالدم

صور| “نزلة الأبلق”.. حكاية قرية طريق التعليم فيها محفوف بالدم نزلة الأبلق ـ تصوير: أحمد دريم

تصوير – أحمد دريم

في تمام الثانية والربع ظهرا، تحركت السيارة صوب مركز صدفا، ومع قرابة الثالثة حطت الرحال بقرية نزلة الأبلق.. مبنى قديم بابه خشبي قابع على قارعة الطريق السريع، تعلوه لافتة توضح أنه مدرسة، أوضح الأهالي أنها مشكلتهم الرئيسية حيث تسبب موقعها الكائن على الطريق السريع في مهب وسائل المواصلات على اختلافها بدون مطبات في فقدانهم أطفالهم.

“الأسايطة” كانت في ضيافة مجموعة من أهالي البلدة لرصد متطلباتهم في التحقيق التالي:

انهيار

أول ما يستقبلك بالقرية لافتة مكتوب عليها “نزلة الأبلق”، ومدرسة على الطريق على مساحة كبيرة عبارة عن منزل قديم وسورها حديث البناء.

يبدأ عاطف صدقي، موظف بالوحدة المحلية بمجريس، الحديث قائلا: المدرسة الوحيدة الموجودة بالقرية مؤجرة وفاق عمرها الخمسين عاما وتعمل للمرحلة الابتدائية فقط والكثافة بها عالية جدا، وهي آيلة للسقوط وذات مرة انهار السور وتم تجديده وترميم المدرسة ككل.

رعب

الأسفلت وعجلات السيارات هما أبطال المشهد، والصوت المنبعث من امتزاج صوت الهواء مع صوت سرعة العربات هو الصوت المسطير بالطريق الذي تقع المدرسة على حافة أسفلته مباشرة، ولا يوجد أي مطبات تُهدئ من جنون سرعة العربات، وهنا ينطلق صوت إسلام صدقي، موظف بشركة المياه راويا: حالة المدرسة ليست جيدة فحتى المدرسين أنفسهم يخشون منها على التلاميذ، ولا يخلو الأمر من حوادث للصغار على الطريق وبالفعل افتقدنا أكثر من طفل عبر السنوات الماضية نتيجة لذلك.

وهنا يُعاود عاطف الحديث مرة أخرى بقوله: كانت هناك مطبات أمام المدرسة ولكن هيئة الطرق أزالتها، وعلى مدار عشر سنوات مضت نهشت حوادث الطرق أجساد أطفالنا والتهمت ثماني أطفال منهم فقمنا بعمل مطلب لحمايتهم، وها هو كابوس رعب فقدان أطفالنا يعود ليطاردنا من جديد بعد إزالة المطب، فجميع أولياء الأمور بل وكل القرية يحيون على جمر النار “الناس بتقعد قدام المدرسة تستنى عيالها”.

معاناة

وهنا يتحدث أب لثلاثة أبناء في مراحل رياض أطفال ابتدائي، يروى رحلة أطفاله الثلاث، ليقول عبدالفضيل عبدالرحيم، موظف بالأوقاف: اثنان من أبنائي في المرحلة الابتدائية وواحدة في رياض الأطفال، ونعيش على أعصابنا، فهاجس موت أحد أطفالنا جراء حادث على الطريق السريع ينتزع من قلوبنا الراحة.

يتابع الأب: “المطبات اتشالت” والمدرسة على الطريق السريع والأمهات بعضهن يقف على الطريق السريع مع خروج المدارس ينتظرن أبنائهن “عشان يعدوهم الطريق”، وحتى المدرسين يقفون لحماية الأطفال “المدرسين بيقفوا للعيال وهي رايحة وهي راجعة عشان يعدوهم”، وحتى في وقت الفسحة يذهب أولياء الأمور لأطفالهم بالطعام “الناس خايفة وقاعدة على أعصابها بيقعدوا قدام المدرسة يستنوا عيالهم”.

عبدالفضيل عبدالرحيم

جهود

وبالتواصل مع الجهات التنفيذية يقول هلال مختار، رئيس الوحدة المحلية بمجريس التي تتبع لها نزلة الأبلق: إزالة المطبات بناء على تعليمات عدم وجود مطبات على الطريق السريع، ولكن هناك حل متاح وهو المطبات الصناعية، ويمكن عملها بالجهود الذاتية، فإما يتم تقدم طلب للمحافظة بأن الأهالي لهم حاجة لمطب أو عمله بالجهود الذاتية.

موافقة

وعودة إلى الأهالي فأبدوا ترحيبهم في عمل المطب بالجهود الذاتية إنقاذا لأطفالهم

أطفال

يخيل لك أن الأمر انتهى عند تلك النقطة، ولكن لم ينته بعد، ليفجر الأهالي معاناة جديدة وهي خلو المدرسة من مرحلة رياض الأطفال، ولأن عبدالفضيل أب متعايش مع القصة فيتابع حديثه: لا يوجد بالمدرسة مرحلة رياض أطفال فهي صغيرة ومتكدسة وتذهب طفلتي لقرية مجاورة تستيقظ من نومها مع السادسة والنصف صباحا، ثم تستقل مع قريناتها مركبة توك توك بأجر شهري 300 جنيه وقد يحمل التوك توك عشرة أطفال مع بعضهم.

قلق

يتابع: نظل على أعصابنا طيلة فترة ذهاب أطفالنا للحضانة، وبسبب التوك توك والهواء الشديد أصيبت ابنتي بنزلة برد شديدة جدا لازمتها أياما طويلة، وبعض المواطنين أجبرهم هذا الوضع على عدم إلحاق أبنائهم بمدارس أو حضانات خارج القرية، وأحيانا تتعطل مركبة التوك توك ونضطر لترك أعمالنا ونهرول لإحضار أبنائنا ونحن نسابق الخطوات ويقتلنا القلق.

 

مطلب

يبدو أن الأزمة أكبر من كونها مجرد مدرسة وطريق، فهي متشعبة ليؤكد الأهالي أن هناك وحشا آخر يفتك بأبناء الإعدادية، ويستوجب إيجاد مدرسة تعليم أساسي بالقرية، ليعود عاطف مستأنفا حديثه: يخرج أبنائنا لقرى مجاورة لاستئناف دراستهم لحاقا بالمرحلة الإعدادية، وذات مرة لقيت فتاة مصرعها في حادث.
وكثيرون حرموا الفتيات عن الدراسة بسبب الخوف عليهن أو لضيق الحالة المادية، إضافة لحياة الفزع التي نحياها، فلو هطلت أمطار تنقلب القرية رأسا على عقب، ويهرول الجميع صوب القرى المجاورة لإحضار أبنائهم “الناس عايشة في قلق ورعب عشان بس يعلموا عيالهم”.

وخروج أبنائنا لقرى مجاورة كان سببا في تدني مستواهم الدراسي بسبب بعد المسافة والإنهاك، وكذلك غياب متابعة المنزل له في المدرسة، إضافة لبعض رفقاء السوء، والطلاب أنفسهم ملوا الوضع وأنهم في الأغلب يكونون فترة مسائية في المرحلة الإعدادية، فالكثير منهم يترك الحصة الأخيرة خوفا من عدم وجود مواصلات بعد مغيب الشمس، فالطبيعي تدني المستوى التعليمي حتى إن 20% فقط من أبنائنا من يلتحقون بالتعليم الجامعي.

مواصلات

يتابع: الطلاب يذهبون إما الكوم الأحمر بأبوتيج التي تبعد 3 كم أو مجريس بصدفا وتبعد 4 كم أو البوبا، ويضطر الأهالي لتوفير مواصلة خاصة لأبنائهم، وقد يوجد سيئ الحظ فقير الحال الذي قد يضطر للسير على قدميه، “أو يركب أي عربية على الطريق ويتلطع بالساعة”، والسيارة الأجرة ينزل منها على الجسر الرئيسي للقرية التي بها المدرسة ثم يسير بعدها مسافة طويلة على قدمه وصولا لمدرسته.

وحتى المدرسة الابتدائية نفسها كثافتها عالية ويضطر البعض للخروج بعيدا، ولدي ابن خالي أبنائه يذهبون إلى مدرسة ابتدائية في البوبا لارتفاع الكثافة تصطحبهم والدتهم في رحلة الذهاب والإياب.

الحل

توصل الأهالي إلى أن الحل وهو التكاتف من أجل شراء قطعة أرض لبناء مدرسة تعليم أساسي تريحهم من المدرسة المؤجرة وخروج أبنائهم خارج القرية لأن القرية لا يوجد بها أملاك دولة وأملهم الوحيد هو موافقة الزراعة.

مسؤول

ويعود رئيس الوحدة المحلية ليؤكد دعمه التام لأبناء القرية طالما أن هناك احتياج، وأنه سيسير معهم في طريق تحقيق مطلبهم خطوة بخطوة.

أما المهندس مصطفى عبد الفتاح، مدير عام فرع وسط الصعيد بالهيئة العامة للأبنية التعليمية، فجاء رده أن الهيئة لا تمانع في بناء المدرسة طالما هناك احتياج ولكن لابد أن يكون هناك موافقة الزراعة وقرار تبرع.

أخرى

وفي استعراض لبقية مشكلات القرية، أوضح الأهالي أنه لا يوجد وحدة صحية، وأقرب وحدة صحية في مجريس وبحاجة لمواصلة خاصة، ولا يوجد أيضا مكتب بريد، ويتم الذهاب إلى صدفا أو مجريس بمواصلة خاصة، ويمثل ذلك تكلفة مالية عليهم وكذلك لم يدخل إليها الصرف الصحي.

الأفضل

أما مياه الشرب وإنارة الشوارع فأكد الأهالي أنهما بحالة جيدة وبخاصة المياه.

الوسوم