صور| “صياد الجزيرة”.. محمد سيد يبحث عن الرزق بين خيوط الشبكة

صور| “صياد الجزيرة”.. محمد سيد يبحث عن الرزق بين خيوط الشبكة محمد سيد في رحلة البحث عن رزقه بجزيرة منشأة همام بمركز البداري

تصوير- أحمد دريم

قارب وشبكة هما ثروة محمد التي ورثها عن والده، يخرج كل يوم في الثالثة فجرًا باحثًا عن رزقه بين خيوطها بعدما زرعها بمياه النيل المحيطة بجزيرة منشأة همام بمركز البداري التابع لمحافظة أسيوط.

“أنا مولود في البحر” جملة صغيرة لخص بها محمد سيد سنوات عمره الثلاثين، يقول محمد: ورثت المهنة عن أبي فأنا الابن الأول بين ثمانية أبناء ستة أولاد وبنتين، وأول مرة أخرج معه لأقاسمه العمل كان عمري ست سنوات.

محمد سيد صياد جزيرة منشأة همام يفوز بسمكة

رحلة البحث عن السمك

كل يوم في الخامسة مساءً يبدأ محمد بوضع عدة الصيد في قلب النهر، وهي عبارة عن شباك وشريط، يركب به فِل ورصاص بطول مترين، ويستخدمه لمدة عشرة أيام فقط، يشرح الصياد: “أرميه في الميه وأربط فيه جركن أو إزازة عشان أعلم مكانه، ثم أعود في الثالثة فجرًا لجمع شريط الشباك”.

تستغرق مدة فرد الشباك من ساعة إلى ساعتين، ويستغرق جمعه ساعة أو ساعة ونصف، والشباك لا تُزرع في مكان واحد فمن الممكن أن أصل حتى مجريس بصدفا، ومن الممكن اصطاد أسفل العبارة النهرية بأبوتيج، يذكر محمد، وليست كل الأسماك التي تخرج معي في الشباك كبيرة الحجم فمن الممكن أن يخرج كيلو واحد كبير والبقية صغيرة، وبعد جمع الأسماك أحملها لبيعها بحلقة السمك بقرية منشأة همام.

محمد سيد، صياد جزيرة منشأة همام بالبداري

تراه واقفا فوق قاربه الصغير يرقب المشهد من بعيد صوب شباكه المعلقة بظهر الماء، يتأرجح القارب لارتطام الماء به ولكن الفتى الأسمر ثابت لا يهزه أي ارتطام، يتحدث الشاب عن المهنة يقول: الصيد وسيلة الرزق الوحيدة بالجزيرة، تربيت عليها ولا أعرف شيئًا غيرها، اصطاد في اليوم من 5 إلى 7 كيلو تقريبًا وأحيانًا أكثر، كل يوم برزقه، يوم أبيع بـ100 جنيه ويوم مفيش خالص.

محمد سيد أعلى مركبه الصغير بالنيل

مصاعب

ويذكر محمد أن أشد شهور السنة على الصياد تبدأ من مايو حتى ديسمبر حيث زيادة مستوى المياه وقلة الرزق، ففي تلك الفترة قد يعمل الصياد طوال اليوم ولا يتجاوز رقه 10 جنيهات، معقبًا “مجيباش كيلو طماطم”.

يتابع: في شهر يناير أشعر كأني أتجمد، وفي إحدى ليالي الصقيع أشعلت نارًا وسط المركب لتدفئتي فأمسكت في جلبابي وكدت احترق.

يستكمل محمد، بينما يُجدف صوب مكان الشباك بمجدافين كادت خطوط كف يديه أن تُحفر بهما، حديثه عن مصاعب المهنة التي طالها ارتفاع الأسعار أيضًا، فقديما كان سعر شريط الشبك من 20 إلى 90 جنيهًا، وحاليا وصل سعره 400 جنيهًا ومن الممكن ألا يُكمل مع الصياد يوم واحد “إن شنط في لانش واتقطع خلاص انتهى”.

محمد يجمع السمك من الشباك

لا يستمتع الصياد كثيرًا بمهنته ويصف رحلة الصيد بـ”المملة”، وأكثر ما يخشاه فيها الحيتان الكبيرة وسمك “الرعيد” الذي يجعله ينتفض ويحتاج لكيس بلاستيكي ليمسكه به ويعزله عنه، كما تصادفه أحيانًا تماسيح وثعابين كبيرة يصل طولها مترين.

هذا الليل الأسود على متن القارب وهذا المجهول المُخبئ بقلب النهر لابد معهما من رفيق يؤنس وحشة الرحلة، يُعلق صياد الجزيرة قائلًا: اصطحب معي في رحلتي شخص آخر للمساعدة وفي الأغلب يكون من صغار الجزيرة يُمسك المجدافين ويؤنس رحلتي.

محمد سيد.. صياد جزيرة منشأة همام بالبداري

هجران

ضيق الرزق وتقلب الأحوال جعل كثيرون يتركون الحرفة ويتجهون للسفر للعمل في الوجه البحري، وحتى محمد يضطر للعمل أجيرًا في الزراعات في كثير من الأحيان بجوار حرفة الصيد.

محمد أثناء جمع السمك من الشباك

العائلة المستقبل

غرفة في بيت العائلة ومطبخ ودورة مياه هي مقر سكن محمد وأسرته الصغيرة المكونة من زوجة وطفلة عمرها ثلاث سنوات وطفل عمره سنتين.

كان قدر محمد “الحرمان” من آمال وأحلام عدة، “مروحتش مدارس خالص”، فلقد عزل النهر الجزيرة عن القرية الأم منشأة همام بالبداري التي تتوفر بها المدارس، ولم تكن هناك قوارب متوفرة بالشكل المطلوب لنقل الناس، “أخدتها من قصيرها ومروحتش” يقول محمد.

ينسى الصياد الماضي راضيًا بقدره، واضعًا أحلامه في أبناءه، يختتم حديثه: وضعت كل أحلامي في أولادي، سأعافر وأشق الصخر كي يكونوا أفضل مني وأراهم في أعلى المراتب.

محمد سيد صياد جزيرة منشأة همام داخل مركبه بالنيل
الوسوم