صور| طريق أبو عجب يخنق عزبة يوسف.. “العربانة” لنقل المرضى وكبار السن

صور| طريق أبو عجب يخنق عزبة يوسف.. “العربانة” لنقل المرضى وكبار السن طريق أولاد أبو عجب بعزبة يوسف بالبداري

على طريق ترابي يقتحم الزراعات، يتحول إلى ممر طيني كلما منحته تلك الزراعات قليلًا من “ندح” المياه أوقات الري، تتوحش الحياة هناك، في عزبة يوسف، التابعة لقرية العتمانية بأسيوط.

مررنا على هذا الطريق، طريق أولاد أبو عجب، كما أطلق عليه الأهالي، اسمًا على مسمى، ومع أنه المخرج الأوحد لأكثر من 40 أسرة، إلا أنه أحد أكبر مشكلاتها في آن واحد، بل ربما اشترك في عدة مشكلات أخرى، بداية من نقل المرضى، إلى استقبال سيارات الإسعاف والمطافئ.

عزبة يوسف هي إحدى عزب قرية العتمانية بمركز البداري، منطقة في الجزء البحري منها، الطريق الوحيد الذي يؤدي إليها عرضه لا يتجاوز 1.5 متر.

الأوضاع قاسية جدًا، تُرى أكثر كلما اقتربت أكثر ناحية الجبل، حتى روائح الزراعات، والأشجار الغضة المنتشرة على جانبي الطريق، لا تخفي الفقر والانفصال عن الخدمات.. أبسط الخدمات.

طريق أولاد أبو عجب
طريق أولاد أبو عجب- تصوير: فاتن الخطيب

“الأسايطة” كانت هناك، طرقنا أبواب بعضهم، وما لبثوا أن أبلغوا بعضهم بعضًا، ليحكوا عن مشكلات عدة، كان السبب فيها الطريق…

بعض الأهالي خلال عرض شكواهم
بعض الأهالي خلال عرض شكواهم- تصوير: فاتن الخطيب

نقل المرضى بـ”العربانة”

في بيت وسط الزراعات، ينهش المرض جسد الرجل النحيل، الذي أصبح جلدًا على عظم من طول البقاء على كرسيه المتحرك، يبدأ حربي عبد المنعم، موظف، رواية حالته: أنا مريض بشلل نصفي، وأعمل في مجلس قروي العتمانية “لازم أداوم بس مقادرش”.

يقول حربي: أمتلك عربة مجهزة منحتني إياها الدولة نظرا لإعاقتي، أخرج بها للذهاب إلى عملي “بروح أسبوع وأغيب أسبوع هروح إزاي بحالتي دي ومفيش طريق”.

يتابع: الطريق الزراعي ضيق جدا، ودائما ممتلئ بالطين، ولا يمكن للسيارة أن تمر عليه، وأنا مصاب بقرح فراش، وبحاجة لغيارين في اليوم ولا بد من مُضمِد “واللي جابلي القرحة كترة القعدة في الكرسي وبتعب وهما بيجروا فيا على العربانة وبتوجع وهما بيشيلونى ويحطوني فيها وبينزلوني منها.. أنا تعبت”.

حربي عبدالمنعم
حربي عبدالمنعم- تصوير: فاتن الخطيب

يضيف عوض حمدي، عامل، هذا الراجل الذي قهره المرض ويتأوه أمامكم، هو عمي وبحاجة لغيار على تقيح القرح مرتين إلى ثلاث مرات ولا أحد يقبل بالمجئ، لأن المكان بلا طريق ونضطر لإخراجه ونحن نضعه في العربانة، وحالته الصحية والجسدية لا تتحمل ذلك.

يتابع حمدي، أن المرض مزق جسد عمه، من كثرة القرح، فكيف يتحمل أيادٍ تمتد إليه لنقله مرتين في اليوم؟ ونتيجة لعدم تهيئة الطريق بشكل آدمي، فإن طريقة نقله سببت له مضاعفات شديدة لأن “العربانة” غير ملائمة.

"العربانة" وسيلة نقل المرضى
“العربانة” وسيلة نقل المرضى- تصوير: فاتن الخطيب

عودة لعصر “الجِمال”

يتابع عوض: منذ أكثر من ثلاثين عاما، وهذا الأمر على ما هو عليه، “البيوت اللي هنا كلها ميتة”،  فالبيت يتكلف ضعف ثمنه مقارنة بأي منزل آخر، لأن تكلفة النقل عالية جدا، فلا سبيل لنقل مواد البناء سوى الجمال، وتتكلف نقلة الرمل 200 جنيه غالبا، أما الجِمال فيكلف الاعتماد عليها 700 جنيه، عُمري الآن  35 عاما قضيتهم في تلك المعاناة ومن قبلي عاناها أبي فقصة الطريق “طويلة العمر”.

عدلي علام، مزارع، جاء من بعيد يردد “غيتونا يا ناس أنا عمري 80 سنة ومرتي عيانة مقادرش أدويها المستشفى ولا دكتور راضي يجيها وكيلك ربنا بتموت في البيت ولا قادر أوديها”.

يتابع حديثه بينما يلهث أنفاسه، لا يوجد أي وسيلة مواصلات تدخل إلينا، أنا رجل مسن لا أقوى على حمل زوجتي إلى أول الطريق، “أنا بقالي 4 أيام بدور على مواصلة تطلعها ما لاقي”، وهي ملقاة على سريرها تصارع المرض وأنا لا أملك سوى الدعاء.

طريق أولاد أبو عجب
طريق أولاد أبو عجب- تصوير: فاتن الخطيب

ويُكمل كامل حمدي، عامل، “في ناس مطاريد بتجي تستخبى هنا، ولما نبلغ المباحث يقولوا مقادرينش ندخل مش لاقيين طريق ندخل منه”، وحدثت سرقات كثيرة “اللى عامل مصيبة ولا بلوة بيجيى يستخبى هنا إحنا عايشين في رعب”.

أما سيد أحمد، بالمعاش، يقول: في موسم الذرة تعلو الزراعات وتتغول  “لا يمكن حد يعرف يخش ولا يطلع ليل ولا نهار”، وحتى نقنع أي شخص من أي جهة بالدخول إلينا فهذا مستحيل، وحتى أطفال المدارس تهاجمهم الكلاب الضالة المندسة بين زراعات الذرة.

لا إسعاف.. لا مطافئ

تقبع المنطقة معزولة عن الإسعاف والمطافئ، لا يمكن أن تصلها أي من تلك الخدمات، وقد تلتهم النيران البيوت دون أن تصل إليهم سيارات الإسعاف.

يروي محمد فكري، موظف بالمعاش، ما يحدث للقرية عند نشوب النيران، ولا تتمكن المطافئ الوصول إلى النجع، إذ تلتهم النيران كل شيء، يتطاير الشرر ليُشعل منزلا تلو آخر، بينما يهرول الأهالي بأوعيتهم المعبأة بالمياه لمحاولة السيطرة على النيران، لكن سرعة انتشارها كانت أقوى من مياه “الجراكن” و”حلل الطهي”،

“النار مسكت في بيت، فضلت كدا لحد ما صفت لوحدها، بعد ما أكلت 8 بيوت، وخلصت على كل حاجة جوه”، هكذا يصف فكري.

ويشرح حسني هاشم، مزارع، أن طول الطريق يبلغ حوالي كيلومتر، ولأنه مجاور للزراعات فتحول إلى طيني، وسيلة الوحيدة لاجتيازه إما حمار أو جمل.

تصوير: فاتن الخطيب
تصوير: فاتن الخطيب

حتى الموتى لم يسلموا من الأذى، بسبب سوء الطريق، يقول يونس عدلي، محصل بشركة المياه، “الميت نشيله على الحسنية ونطلع بيه ونخطى بيه الفحول واللي يقع بقى مننا هو وحظه”.

يروي، ذات مرة غاصت قدم أحد حاملي النعش في الطين، فاختل توازن النعش وسقط مع الجميع في لوحل وفوقهم النعش “الميت انكشف من الكفن”.

أما نقراشي أحمد، موظف، يروي: كنت أزرع فدانين من الرمان ولا أستطيع إخراج المحصول ولا نقله، فاضطررت لإنهاء زراعاتي “قلعت الرمان كله وزرعتها برسيم”، فلا مواصلات لنقل المحاصيل.

قيد الدراسة الأمنية

أما نصر الدين عبد الحليم، عامل زراعي، يقول: الطريق منذ أكثر من عام وهو بانتظار الدراسة الأمنية والتنفيذ ولم يحدث أي شيء رغم أن الطريق به أعمدة كهرباء  وحاصل على كل الموافقات، وحتى أعمدة الإنارة بلا إنارة وبعضها مائل للسقوط، وكلما طلبنا شركة الكهرباء للإصلاح يقولون السيارة لا يمكنها الدخول، “بعد المغرب مبنقدرش نخرج”.

يتابع: حتى فريق التطعيم لا يمكنه الدخول إلينا فنخرج بأطفالنا إلى الوحدة الصحية بالتضامن.

رقم القرار المُتخذ بتمكين الوحدة المحلية لتنفيذ الطريق
رقم القرار المُتخذ بتمكين الوحدة المحلية لتنفيذ الطريق- تصوير: فاتن الخطيب

يتابع أن أشد المواقف قسوة، كان لسيدة بعد الوضع حملنها في “العربانة” وبسبب الطين تعثرت عجلة العربانة فسقطت الأم في الطين ومات الطفل فالمرضى جميعا نحملهم على العربانة أو كرسي متحرك.

الكرسى المتحرك وسيلة لنقل المرضى مع "العربانة"
الكرسى المتحرك وسيلة لنقل المرضى مع “العربانة”- تصوير: فاتن الخطيب

في أبريل 2018 ناقشت “الأسايطة” ذات المشكلة مع الأهالي، ليرد عليها  ناصر سيد، رئيس الوحدة المحلية بالعتمانية، آنذا، باعتزامه توسعة الطريق بعد شكاوى الأهالي، وقد جرى معاينتها، وهي تخدم كتلة سكنية كبيرة.

وتابع أن بعض المتعدين أعاقوا العمل، ما جعلهم يحررون محضرا بمركز الشرطة، وتم تحويل الأمر لإجراء دراسة أمنية، ومخاطبة مركز الشرطة لمساعدة الوحدة للقيام بمهامها، وجاء رد الدراسة الأمنية بتمكين الوحدة من تمهيد الطريق ورصفها مستقبلا، وفي خلال أسابيع سيجرى تمهيد الطريق بمساعدة الشرطة، والطريق سيكون في أرض الري، ولن يتضرر منه أي مزارع بالمنطقة وتم تشكيل لجنة، ليمر الطريق في أرض أملاك الدولة.

مرّ عام على تلك التصريحات، تغير المسؤولون وظلت المشكلة قائمة، وقبل أكثر من شهر تولى سامي جابر، رئاسة الوحدة المحلية، وبعرض الأمر عليه جاء رده: نعتزم إجراء معاينة للطريق على الفور، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لإنهاء المشكلة، لراحة الأهالي وتلبية متطلباتهم.

الوسوم