طريق لا يسع المارة.. أهالي “عرب العمايم” يحكون معاناتهم مع “أسفلت تراب”

طريق لا يسع المارة.. أهالي “عرب العمايم” يحكون معاناتهم مع “أسفلت تراب” قرية عرب العمايم تصوير- أحمد دريم

تصوير- أحمد دريم

لا أحد يمكنه وصف المعاناة التي تخلقها الطرق المتهالكة، أكثر من المارين على طريق طُمست معالمه بفعل الحفر والتراب، وأولئك الذين تُعطل أعمالهم، وتؤخر مواعيدهم.

عندما أقلتنا السيارة صوب قرية عرب العمايم بمنفلوط، كان جمع غفير من أهالي القرية في انتظارنا، لبث شكواهم من تكسر الطريق الرئيسي  للقرية وتهالكه.

“ابني تعبان ومرهق لا بيذاكر ولا له نفس لحاجة ومستقبله في خطر، وبيجي مهدود وينام.. كله عشان غلب الطريق” هكذا يصف مصطفى مهنا، أحد أهالي القرية، حال نجله طالب الثانوية العامة، الذي يستهلك جزءا كبير من الوقت والجهد في المواصلات، بسبب تهالك الطريق.

تنتشر التكسيرات والحفر على طول الطريق- تصوير أحمد دريم
تنتشر التكسيرات والحفر على طول الطريق- تصوير أحمد دريم

يتابع أن نجله في الصف الثالث الثانوي يقضي وقتا طويلا في انتظار مواصلة، بسبب بطء السيارات المارة على الطريق وقلتها، ما يعرضه للتأخر الدائم عن المدرسة، لهذا تصلنا الإنذارات بشكل دائم، فضلا عن اضطراره البقاء في منفلوط لحين موعد الدروس الخصوصية، بدلا من العودة للمنزل.

يضيف: تسبب تكسر الطريق وبطء سير العربات في تأخير وتعطيل مصالحنا، كما أن المدارس بالقرية ابتدائي وإعدادي فقط، والنتيجة لا تعليم للفتيات بعد المرحلة الإعدادية “فمن يرضى على بناته البهدلة” على حد قوله.

لا يختلف الأمر كثير مع باقي طلاب المعاهد والجامعات، يقول مهنا غيث، طالب، إن الطريق مليئة بالأتربة والرمال، التي تزكم الأنوف “لما أوصل منفلوط ببقى كأني طالع من كوم تراب.. حتى الأجرة زادت رفعها السائقون بسبب سوء الطريق فصارت 5 جنيهات”.

مرصوفة منذ 1992

عبدالعاطي أبو بكر، نقاش، دفع ثمن تهالك الطريق من قوت أسرته، يعلق: الطريق متكسرة من أكثر من جهة بسبب حفر الكراكات لتوصيل كابلات الكهرباء وخطوط المياه ولا يوجد صيانة، ودائما أتأخر عن مواعيد عملي وبدلا من عملي لفترات طويلة بأجرة أكبر، أضطر للعمل لفترة أقل لألحق بسيارة العودة لبيتي، لأن آخر موعد السادسة مساء.

غيث مهنا، ستيني بالمعاش، يقول: الطريق كانت مرصوفة وفي حالة جيدة حتى العام 1992 وكان المشوار حتى مدينة منفلوط لا يزيد عن 10 دقائق، لكن بسبب توصيل بعض الخدمات  مثل التليفونات والصرف الصحي والمياه، تعرض للتكسير أكثر من مرة، ولم تقم جهة واحدة من الجهات التي حفرت برد الشيء إلى أصله وإصلاح ما أفسدته.

تسبب تآكل الطريف في تعطل مصالح الأهالي- تصوير: أحمد دريم
طريق عرب العمايم- تصوير أحمد دريم

يتابع: أذكر أنه حدثت إصابة بالخطأ في أحد الأفراح، وتأخرنا في نقل المصاب إلى المستشفى بسبب سوء الطريق، فلفظ أنفاسه الأخيرة، وهذا هو الحال بالنسبة للسيدات الحوامل، فقد تلد الواحدة منهن في السيارة قبل أن تصل للمستشفى، وهناك حوادث أخرى كثيرة لمصابين كان يمكن إنقاذهم لولا سوء الطريق.

طريق يلتهم السيارات

في منتصف الطريق حفر غائرة تشعر أن إطارات السيارة تغوص فيها، فضلا عن الأتربة والرمال، والترعة التي التهمت أكثر من سيارة سابقا.

يقول أحمد غيث، موظف، إن وسائل المواصلات غير آدمية، وهي عربات ربع نقل ذات صندوق خلفي مرتفع بلا سلم ومقاعدها عبارة عن لوح خشب، ومع ذلك هي ليست متوفرة.

من جانب آخر، لم يسلم الطريق من تعديات بعض الأهالي، فعرض الطريق من المفترض أن يكون 14 مترا، لكن بعد الحفر والتكسير والتعديات صار لا يتعدى 5 أو 6 أمتار يصلح منها 3 أمتار فقط للسير، بينما يبلغ طول الطريق نحو 4 كم.

حمدي علي، سائق، يقول: “الطريق يسبب مشكلة لكل الأهالي، ومفيش حد راضي يشتغل، سياراتنا اتبهدلت”، شارحا أن تهالك الطريق يكبد السائقين خسائر كثيرة، ما يجعلهم يخشون على سياراتهم، التي تمثل مصدر دخلهم الوحيد.

يتابع: الخسائر جعلتنا نرفع الأجرة رغما عنا لتوفير ماديات الإصلاح، “الحجارة بتقطع العجل، ومن المفترض تغيير “عفشة” السيارة كل ثلاث سنوات، لكننا نغيرها كل عام بسبب  سوء الطريق، حسب قوله.

يشرح عماد عادل، ميكانيكي، تأثير الطرق المتكسرة على السيارات، وأنها تمثل خطرا كبيرا على حالة السيارات بجميع أنواعها، وأكثر ما يتأثر بالسيارة هو “العفشة” وحتى عجلات السيارة تتهالك ويقل العمر الافتراضي لـ”الكاوتش”.

يُكمل: لو السيارة جديدة ومرت على طريق متكسر، ستحتاج لتغيير عفشة كل 3 أشهر، في حين أنها من المفترض تغييرها كل سنة أو سنة ونصف فما بالك من السيارات القديمة.

عربة ربع نقل حمراء اللون معطلة على جانب الطريق يلتف حولها بعض السائقين للمساعدة، وبالحديث مع صاحبها  أشرف جبر، تحدث كما لو كان على وشك الانفجار من الغيظ، يقول: “أنا لسه جاي بالعربية من الورشة وصارف ألف جنيه ويوم الخميس 4 آلاف جنيه وكل ده بسبب الطريق”.

حوادث

لم يخل الأمر من حوادث مفزعة، يروي إبراهيم محمود، معلم، هناك العديد من الحوادث المتكررة التي تحدث بشكل مستمر وآخرها شاب في الثانوية العامة لقى مصرعه  أثناء ذهابه للمدرسة، ونواتج تلك الحوادث ليست الموت فحسب فهناك كسور خطرة في الأجساد. ناهيك عن المشاحنات بسبب التلاصق لضيق الطريق حتى إن منها ما نشبت عنه حوادث ثأر.

تراجع عرض الطريف من 14 مترا إلى 4 أمتار فقط- تصوير: أحمد دريم
تراجع عرض الطريق من 14 مترا إلى 4 أمتار فقط- تصوير: أحمد دريم

ويعدد الأهالي خلال العشر سنوات الماضية، أن حوادث الطريق من بني مجد مرورا بالعتامنة، عرب العمايم، بني شعران، نجع علي منصور، وحتى التتالية بالقوصية، تسبب في وفاة 20 شخصا على الأقل، ومنذ 2018 حتى اليوم فقدت القرية 4 من أبنائها، بخلاف الإصابات الشديدة وحوادث السقوط في الترعة المجاورة.

مسؤول يرد

محمد علي، رئيس الوحدة المحلية للعتامنة، يقول: إن تهالك الطريق ناتج من قِدم عمره، والضغط الناتج من ثِقل الاستخدام حيث إنه يخدم العديد من القرى، مثل: عرب بني شعران، وعرب التتالية بالقوصية، ونجع علي منصور، وعرب العماميم، ولم يُرصف منذ حوالي عشر سنوات وهذا يرجع إلى اعتمادات الرصف المالية والأولوية في اختيار الطريق الرئيسية والرصف بالتتابع.

يربط الطريف بين عدة قرى ومع ذلك لا يلقى الاهتمام الكافي- تصوير: أحمد دريم

يتابع أن رصف الطريق من العتامنة وحتى نجع علي منصور مدرج سواء في خطة القرى الأكثر احتياجا وهي عرب العمايم، أو بخطة القرى الأكثر فقرا وهي بني شعران، فالطريق يمر بالقريتين وهو بطول 6 كم، وفور توفر المبلغ المخصص للرصف في أي خطة من الخطتين سيتم رصف الطريق على الفور.

يُذكر أن عرب العمايم واحدة من القرى المصنفة أكثر احتياجا، وبسبب ارتفاع معدلات الفقر فيها، ينزح كثيرون إلى العمل خاصة في ليبيا، وبين عامي 2011 حتى 2019، استقبلت القرية 12 نعشا لشهداء “لقمة العيش”.

العمر الافتراضي للطريق

يقول حسن يونس، أستاذ الطرق بكلية الهندسة جامعة أسيوط، إن العمر الافتراضي لأي طريق يُحسب بحسب الاستعمال والبيئة المحيطة بالطريق، فالطرق داخل القرى حتى لو لم يتعرض للتكسير فهو عرضة للتهالك السريع، بسبب سلوك بعض الأهالي، مثل: سكب المياه على الطرق، ومياه الغسيل التي تحوي صابون ومنظفات بها مواد كيميائية تسبب تآكل الطريق.

يتابع: وإضافة لرش المياه فهناك صنع المطبات حفاظا على أرواح أبنائهم خوفا من الطريق السريع، والمطبات أحد العوامل الرئيسية للتهالك السريع للطرق.

أما العمر الافتراضي لأي طريق لو كان طريقا سليما لا تحدث عليه أي مسببات للتهالك فعمرها من 10 إلى 15 سنة في المتوسط، ويؤدي الطريق دوره بكفاءة عالية.

يتابع: أما في حالة الضغط الشديد للحركة المرورية وبخاصة النقل الثقيل الذي يؤثر سلبا على الطرق، فإن عمر الطريق الافتراضي يكون من 7 إلى 8 سنوات، وطريق مثل تلك الطريق وما قيل في وصف حالته وبحكم التقادم والأحمال المرورية الثقيلة فعمرها الافتراضي للرصف من 6 إلى 7 سنوات.

طريق انتهى عمره الافتراضي- تصوير: أحمد دريم

الوسوم