فقد ساقه في طفولته في حادث فصار مع الأيام من أمهر صناع الأجهزة الطرفية

فقد ساقه في طفولته في حادث فصار مع الأيام من أمهر صناع الأجهزة الطرفية قتحي شعبان، فني أطراف صناعية

في العام 1976 التحق فتحي شعبان للعمل بوظيفة فني أطراف صناعية بمصنع الأجهزة التعويضية بأسيوط، ليحقق حلمه الذي حارب لأجل تحقيقه منذ الصغر بعد بتر في ساقه بحادث قطار، ليبدأ ميلاد طفل خبأ له القدر العديد من الحكايات والأحداث القاسية الصعبة التي كان ينتصر على صعوباتها في كل مرة.

العم فتحي الذي يبلغ من العمر 58 ولد في أسرة متوسطة الحال في مركز ملوي بالمنيا، وكان الإبن الثاني بعد أخ أكبر، وحينما بلغ عمره الست سنوات شاءت الأقدار أن ترحل والدته عن الدنيا ويتوفاها الله، وبعدها تزوج والده بزوجة أخرى رزقه الله منها بخمسة أبناء خلاف فتحي وشقيقه.

حادث 

لم ينل فتحي حظا من التعليم ولم يلتحق بمدرسة وبعدما بلغ سن العاشرة بدأ الخروج للعمل في مهن حرفية متعددة مع الحرفيين، ولكن ذلك جاء بعد نقطة فاصلة في حياته كانت أقسى ما عاشه في طفولته، فلقد تعرض فتحي لحادث مروع وهو في سن التاسعة “كنت راكب القطر وراجع من بين جدي في ديروط جيت أنزل كان لسه القطر موقفش ورجلي دخلت بين الرصيف والقطر واتبترت”.

بُترت قدم فتحي من أسفل الركبة وهو لا يزال في سن التاسعة حين سافر من المنيا إلى ديروط بأسيوط، ليزور أهل والدته مع رفاقه الصغار دون رفقة أحد من الأهل، فتعلق الطفل برائحة أمه جعله يبحث عن عبقها في كل مكان كانت تمر بها، ولأنه شبّ رجلا وهو لازال في أوج طفولته كان يزور بيت جده بأسيوط وحده دون رفقة أب أو أخ.

نقطة تحول

البتر الذي أصاب العم فتحي كان في قدمه اليمنى أسفل الركبة، وبعد الحادث بدأت رحلة البحث عن تركيب طرف صناعي لها وخضع لتركيب الطرف في أسيوط بمصنع الأجهزة التعويضية بمركز الفتح بعد الحادث بثلاثة أشهر، وبالمكان الذي صار فيه مع مرور الأيام من أمهر وأقدم الفنيين في صناعة الأجهزة الطرفية.

تبدل شكل حياة فتحي من حال إلى آخر بعد تركيب الطرف الصناعي، وكأن الطرف قد أعاد إليه بريق الحياة وعوضه كثيرا عن فقد قدمه وكان سببا دمجه مع المجتمع المحيط مع رفاق سنه ورسم البسمة على شفتيه من جديد.

التغيير الجذري في حياة الرجل الخمسيني بعد تركيب الطرف الصناعي عقب الحادث الذي تعرض له حُفر بذاكرته، وصار يرى أن الطرف الصناعي ليس مجرد وسيلة بل إنه حياة، فمعه يتبدل حال من فقد جزء من جسده ويجعله يستعيد ولو جزء من حياته الطبيعية التي كاد أن يفقدها نهائيا.

فوضع نصب عينيه أن يصير يوما ما صانعا لمثل تلك الأطراف، كي يهب لمن هم مثله الحياة ويُغير حياة الناس، وبدأ في الانطلاق نحو تحقيق حلمه خطوة بخطوة ولا يعلم ماذا يحمل له الغد من مفاجآت، ولكنه عقد العزم حاملا حلمه بين أضلعه حافرا إياه بعقله وجاعلا منه هدفه الذي يحلم بتحقيقه.

إرادة

“إرادتي كانت أقوى”.. بهذه الجملة وصف العم فتحي بداية رحلة خروجه لسوق العمل بساق مبتور وهو ابن العاشرة من عمره فقط، معلقا بقوله: “محستش لحظة إني طفل مقهور ولا ناقصني حاجة ولا متضايق، والإعاقة لازم الواحد يتحداها”.

بالفعل خرج فتحي في طفولته للعمل متحديا إعاقته، مصمما على قهرها وفي نفس الوقت باحثا عن العمل كي يساعد مع والده وإخوته في مصروفات البيت والمعيشة.

تحقق الحلم

مرت الأيام وكبر الطفل وصار شابا يافعا في بداية شبابه وظل يسعى بكل قوة للعمل بالمصنع ولم ينس حلمه لحظة، وفي العام 1976 كانت المفاجأة وحقق القدر حلم العم فتحي والتحق بالعمل بمصنع الأجهزة التعويضية بأسيوط، وهو المصنع الوحيد لتلك الصناعة على مستوى الصعيد، ولأجل ذلك التحق بفصول محو الأمية للحصول على شهادة تمكنه من العمل.

ومنذ ذاك التاريخ استقر فتحي بمدينة الفتح بأسيوط، وبدأ في تعلم حرفة صناعة الأجهزة التعويضية شيئا فشيئا وبخاصة الأطراف الصناعية من طرف علوي وسفلي أي اليد والقدم، ليصبح واحدا من أمهر وأقدم الفنيين بالمصنع وله بصمته المميزة والخاصة.

في ورشة تصنيع الأطراف بالمصنع ترى العم فتحي جالسا منهمكا في تصنيع أطراف متعددة ما بين علوي وسفلي ممسكا بسيجارته وعلى يمينه كوب من القرفة يرشف منه ما بين حين وآخر، ولكن تركيزه الكُلي على تصنيع الطرف، وفي قدمه اليمنى طرف صناعي لا تلحظه ولا يبدو عليه حتى في حركته أن به إعاقة أو بتر في قدمه فعزيمته كانت أقوى من إعاقته.

ظل فتحي يسرد في قصته وفجأة قطع حديثه أحد رفقاء العمل لاستشارته لاستكمال تصنيع أحد الأطراف، واستكملا سويا إخراج الطرف بعد اللمسة النهائية للعم فتحي، ثم عاد لحديثه قائلا: “أنا لابس جهاز تحت الركبة بعد الحادثة وأول ما اتعمل الجهاز هنا حبيت أشتغل في نفس القسم اللي ركبت فيه الجهاز ودخلت المصنع واتعلمت مخصوص عشان اشتغل هنا”، وفي سبيل ذلك حصل العم فتحي على شهادة محو الأمية حتى يتمكن من العمل بالمصنع وذلك استكمالا لرحلة إصراره على تحقيق حلمه وبالفعل كان.

وبسؤاله عن متاعب مهنته كان رده: “كل مهنة وليها شقاها” وقبل أي شيء هذه مهنة إنسانية، “الواحد بيبقى فرحان وهو شايف واحد معوق بيمشي دي رسالة بنأديها”.

بيت صغير

حقق العم فتحي حلم عمره وعمل بالمصنع واستقر بأسيوط وتزوج وأنجب خمسة أبناء “ولدين وثلاث بنات”، منهم من أنهى دراسته ومنهم من لا يزال يدرس، “أنا مع عيالي للنهاية عشان أعلمهم ويحققوا اللى نفسهم فيه واللي ساب التعليم سابه برغبته لكن أنا مع كل واحد فيهم لحد ما يقول اكتفيت”.

الوسوم