فيديو وصور| قصة أقدم بائع “عرقسوس” بأسيوط.. سيد إبراهيم علم أبناءه الأربعة من ثمن الكوب

فيديو وصور| قصة أقدم بائع “عرقسوس” بأسيوط.. سيد إبراهيم علم أبناءه الأربعة من ثمن الكوب "عم سيد"، أقدم بائع عرقسوس في أسيوط ـ تصوير: إيمان سمير
كتب -

بأدواته المميزة يجول بائع العرقسوس شوارع أسيوط، الإبريق الفضي المصنوع خصيصًا من مادة الألومنيوم ليحفظ برودة المشروب، مثبتة به أكواب زجاجية، بجانبها إبريق آخر بلاستيكي لغسل الأكواب، محمولة معًا بحزام جلدي معلقًا بعنقه، يحيط بخصره حزامًا آخر مثبت به صندوق نحاسي صغير به صاجين نحاسيين يصدران عندما يمسك بهما أصواتًا تميزه وتلفت انتباه المارة له.

“شفا وخمير يا عرقسوس وبارد وخمير واتهنى يا عطشان” ينادي الرجل للإعلان عن بضاعته، الشراب الذي عُرف منذ القدم بحلاوة مذاقه، وارتبط ارتباطًا وثيقًا بشهر رمضان وأيام الصيف الحارة.

سيد محمد، أقدم بائع عرقسوس بأسيوط ـ تصوير: إيمان سمير

خبرة 30 عامًا

بشرته السمراء وتجاعيد وجهه تحكي رحلة عقود قضاها سيد محمد محمد إبراهيم في مهنته، لم يبالي بتقدم العمر الذي تجاوز الخمسين عامًا، مواصلًا التجول بالشوارع حاملًا إرثه بحزامه.

نزح إبراهيم من محافظة سوهاج إلى أسيوط للعمل بمهنة بيع الـ”عرقسوس” منذ 30 عامًا، تلك المهنة التي ورثها عن والده وجده، فكانت عائلته أول من قدمت مشروب العرقسوس لأهالي أسيوط.

الأبناء

لدى إبراهيم 4 أبناء رباهم وعلمهم من كوب العرقسوس، تخرج أكبرهم “محمد” من كلية الشريعة والقانون العام الماضي، ويدرس مصطفى بالفرقة الأولى بالجامعة، ويعملا معه بنفس المهنة لأسباب عدة سردها بائع العرقسوس، لعل أهمها عدم توافر فرص العمل وأيضا لمساعدته على أعباء الحياة، أما ابنتيه وفاء وأحلام فتدرس الأولى بالشهادة الثانوية والثانية بالصف الأول الإعدادي.

صاجات بائع العرقسوس ـ تصوير: إيمان سمير

“الكوباية بجنيه”

لم يتغير سعر كوب العرقسوس منذ 6 سنوات، بحسب إبراهيم كان سعر الكوب في العقود الماضية “قرش”، وتدرجت ليصل سعرها إلى 25 قرشًا، حتى وصلت إلى جنيه، ونظرًا لشعبية المناطق التي يعمل بها فليس من الصالح أن يرفع السعر أكثر من ذلك، وإلا لن يتجاوب معه المارة.

مشروب العرقسوس ـ تصوير: إيمان سمير

مهنة الفقير

“شغلتنا شغلة الفقير، الراجل الفقير بس هو اللي بيشرب عرقسوس” يقول البائع، رغم فوائده الجمة التي لا يعرفها إلا القليلين، أهمها وهو المعروف للعامة أنه يستخدم كعلاج للقولون.

ليس لدى إبراهيم أي مصدر رزق آخر “مستورة الحمد لله”، ولكن رزق الصيف في تلك المهنة أكثر، وأفضل الأشهر خلال العام طلبًا للعرقسوس هو شهر رمضان الكريم، حيث يحرص الكثيرون على الإفطار به، وأما الشتاء فتقل نسبة الطلب عليه لبرودة الطقس.

أسعار ومكونات

وعن مكونات العرقسوس، يشرح الرجل الخمسيني أنه خلاصة أعشاب طبيعية مجففة معروفة لدى محلات العطارة في أنحاء الجمهورية، يتم “تنميشه” بالماء بدون أي إضافات أو تحلية، ويقدم للزبائن بطبيعته، أو إضافة قطع الثلج لمن بريده مثلجًا، كل حسب طلبه.

يشتري إبراهيم كمية من العرقسوس داخل جوال تقدر بـ70 كيلو جرامًا، بمبلغ 2200 جنيه، يعمل عليها حتى تنفذ الكمية لشهر أو أسبوعين “حسب التساهيل”.

ينهي قدرته كل ساعة تقريبًا، أي ما يعادل 8 قدور يوميًا، فالرجل كله همة ونشاط تراه يتنقل بين شوارع بورسعيد والسكة الحديد ومنطقة المجاهدين والمحال التجارية وغيرها.

“عم سيد” يقدم مشروب العرق سوس ـ تصوير: إيمان سمير

مضايقات واحتمال

يضع الزبون ثمن ما يشربه داخل الصندوق النحاسي المعلق بخصر البائع، يحكي إبراهيم عن مواقف مر بها يقول: مررت بمواقف كثيرة مع الزبائن، هناك من يشرب الكوب ويغادر دون دفع ثمنه، ومن يترك الكوب بالأرض كنوع من التكبر، في المقابل يوجد أشخاص الذوق والكرم سمة مميزة لهم، فكل يتعامل حسب طبيعته التي نشأ عليها.

يستكمل إبراهيم عمله غير مباليًا بمن يقلل من شأن المهنة أو يوجه له أي إهانة في التعامل، متفاديًا للمشاكل على أمور “تافهة” بالنسبة له، حسب وصفه، يتعامل بالحسنى حتى مع عدم التقدير حتى لا يسبب مشكلة قد تضر بأبنائه “مفيش حاجة مستاهلة، وعادي كل واحد وأخلاقه”.

سر المهنة

“الصنعة بتفرق”، يذكر البائع، يختلف الطعم لو أنك صنعت العرقسوس في منزلك، فخبرة السنوات ليست هباءًا، فكل شخص منحه الله سرًا في مهنته ليكون عاملًا مساعدًا في جلب رزقه، فلا تتعجب لو لم تتوصل لصناعة أي أصناف من المشروبات أو الطعام كما في المحال ولولا ذلك “مفيش حد هيسترزق.. حاجة السوق ربنا محليها لأنها سبيل رزق”.

أدوات بيع عرقسوس ـ تصوير: إيمان سمير

ضريبة العمل

“لولا فيها لقمة عيش مكنتش اتحركت ولا مشيت”، يحكي بائع العرقسوس أن حمله لقدره وأكوابه طيلة 30 عامًا تسبب له في آلام بالظهر والقدمين، ولكن ما البديل، فلا  يجيد القراءة والكتابة، ولم يتعلم مهن أخرى، فكافح في تلك المهنة لكي يعلم أبنائه الأربعة، يقول: “ربيتهم على القناعة ومحرمتهمش من حاجة”، ويستكمل: زرعت فيهم الأخلاق الحميدة منذ الصغر، لم ينبذوا المهنة يومًا، وها هم يعملون بها لمساعدتي، فلولا تلك المهنة ما كنت استطعت أن يكون لدي زوجة وأبناء، تلك الزوجة التي كافحت معي واهتمت برعاية الأبناء ساعات عملي خارج المنزل.

الوسوم