مظاليم فوق سفح الجبل..”الأسايطة” ترصد معاناة أهالي “الدابة”

مظاليم فوق سفح الجبل..”الأسايطة” ترصد معاناة أهالي “الدابة” منطقة الدابة في المعابدة - تصوير: محمود المصري

على سفح الجبل، وبين منحدرات وعرة، يلعب أطفال منطقة “الدابة”، بعزبة سعيد، بقرية المعابدة شمالي مركز أبنوب بأسيوط، ويعيش عدد لا بأس به من المواطنين، وإن كان المشهد العام لا يوحي بأية حياة.. “الأسايطة” عاشت عدد من الساعات بمنطقة الدابة لرصد معاناة الأهالي في التقرير التالي..

 

 

مصطفي أشرف معوض، يبلغ من العمر 7 سنوات، تلميذ بالصف الأول الابتدائي، ذو بشرة سمراء، وجسم نحيل، وأحد الأطفال الذين لم يجدون أفضل من جوار منازلهم بسفح الجبل ليلعبوا، كل منهم يعيش مأساة أهله، ويعلمها جيدا ويعيش فيها، وإن كانت نفسه تميل للتغيير.

“نفسي يكون عندنا حمام ومطبخ في البيت”، بهذه الكلمات يخبرنا مصطفى، عن وضع أسرته، وتكوين منزلهم البسيط المكون من 3 حجرات مبنية بالطوب البلوك، بعضها مسقوف بالخشب، بتبرع من إحدى الجمعيات الأهلية، وجزء أخر بخوص ذرة “بوص”، وجزء ثالث في العراء.

الطفل مصطفى أشرف وهو يلعب مع أقرانه
الطفل مصطفى أشرف وهو يلعب مع أقرانه
مطبخ ودورة مياه أحلام مصطفى البسيطة 

يحلم مصطفى، أن يكون لديهم دورات مياه، فلا يوجد لديهم في المنزل سوي صنبور مياه شرب خلف الباب الرئيسي للمنزل، وفرته لهم أيضا جمعية أهلية، وعن قضاء حاجته يقول” بعمل حمام في أي حته في البيت في الجزء اللى مش مسقوف”.

منزل مصطفى، عبارة عن غرفتين، أحدهم مفروش فيها حصيرة بلاستيك، وخدادية متهالكة، وبطانية أرهقتها كثرة الأتربة بالأرض، والتي ينام عليها الطفل مصطفي وشقيقين أخرين، والغرفة الأخري للأب والأم، ويلجا إليها الطفل للمذاكرة، وأن كان المصباح لا يضىء أسفلها مترًا لصغر حجمها، ويستعين بكرسي بلاستيكي و”كمدينو” من ما تبقي من جهاز والدته الخشبي.

 

منزل الطفل مصطفى من الداخل
الطفل مصطفى ينام وشقيقة على حصير في الأرض

أحلام مصطفى، ليست بالكبيرة، فحلمه أن يصبح لديه دورة مياه ليقضي حاجته بشكل أدمي، ومطبخ لتقوم والدته بتجهيز طعامًا مختلف عن الذى اعتدى عليه صباحا ومساء من الجبن القديم والمش وقطع العيش، وسريرا ليرحمه من نوم الأرض هو وأشقائه، وأعظم أحلامه هو أن يتم سقف منزله ليحميهم من الأمطار والبرد في الشتاء.

منزل الطفل مصطفى من الداخل
مصطفى وهو يذاكر
اتمنى أصبح طبيبا لعلاج أهالي القرية

تقول صابرين محمود، والدة مصطفى، “زوجي يعمل بالقاهرة لضيق الحال هنا، لدينا 5 أبناء، منهم مصطفى، أجريت لها عمليتان في الرأس، وقدمت له على طلب مساعدة بسبب هذه العمليات لكن دون فائدة.

يصف مصطفى يومه قائلا “بصحي 6 الصبح، أصلي وألبس هدوم المدرسة، وأفطر اللى موجود في البيت، وارجع اتغدا واذكر وأخر اليوم بلعب مع العيال في الدابة كورة واستغماية وثبت ورمح”.

ويتمنى مصطفى أن يصبح طبيبا ليعالج أهل قريته من النساء والأطفال والرجال وغير القادرين ويساعدهم على قدر ما يستطيع.

أغلب منازل المنطقة بلا سقف

لا يختلف وضع الكثير من أطفال القرية عن وضع مصطفى، خلال التحرك بالمنطقة والمرور على أغلب منازل المنطقة، الأغلب لايتوفر لديهم أسقف تحميهم من لهيب الشمس في الصيف، ولا سقيع البرد وأمطارها، ووجود دورات المياه هي رفاهية مفقودة بالنسبة لهم.


“بحب ربنا”، إجابة عفوية لطفل يبلغ من العمر 13 عامًا عندما سألناه عن ما يحبه، علي حسن، لم يستطيع دخول المدرسة لظروف والده المعيشية الصعبة، “مرحتش مدرسة علشان أبويا معندهوش مقدرة، ولما بشوف العيال رايحيين مدارس بضايق خالص أني مش زيهم”.

منزل الطفل علي حسن من الداخل
منزل الطفل علي حسن من الداخل

لدي علي 10 أخوات بين البنين والبنات، جميعهم لم ينالوا قسطا من التعليم، وهو ما أكدته نوال عبدالرشيد، 40 عامًا، والدة الطفل علي، قائلة “جوزي شغال بدراعه في مصر، ومعندوش مقدره أنه يعلم العيال”.

الطفل علي حسن
الطفل علي حسن

منزل علي وأخواته مبني كباقي منازل القرية بالطوب الأبيض “البلوك” سقفه خوص، في إحدي غرفاته “حبل” متصل بين جدارين، قامت ربة المنزل برص الملابس التى يملكونها عليها، باعتبارها دولاب يستخدمونه، وفي غرفة أخري سريرا مسندود بحجارة، تنام عليه هي وزوجها، وبجوار أسفل السرير حصيرة ينام فيها الأبناء.

أثاث بسيطة في المنازل
أثاث بسيطة في المنازل

“كان نفسي أطلع دكتورة”، جملة قالتها نسمة حسن، شقيقة الطفل علي، والتى لا يتجاوز عمرها 9 سنوات، لتعبر عن حلمها في التعليم، وعن طبيعة حياتها تشير بيدها لمنطقة غير مغطاة في نهاية منزلتهم “بعمل حمام هنا، وأكلنا جبنه قديمة ومش”.

الطفلة نسمة حسن
الطفلة نسمة حسن

هنا تعود نوال، والدة حسن ونسمة، لتخبرنا أن طعامهم مثل طعام الكثيرين من المحيطين بها، فهو ما بين الجبنة القديمة و”المش”، أو الفلفل والباذنجان المقلي، وربما كان لهم حظًا وفير من اللحوم والفراخ كل 15 يومًا، عندما يشاء الله ويرسل لهم زوجها أمولا في أثناء عمله بالقاهرة.

يتمنى علي وشقيقته أنا يجدوا مع باقي أخواتهم مكانا للنوم غير الحصير، وسقفا للمنزل غير الخوص، وأن يحصلا على قسطا من التعليم مثل كثير من الأطفال الذين يشاهدونهم يوميا وهم يرتدون ملابس المدرسة.

ملاهي القرية

أثناء سيرنا بالمنطقة، وجدنا طفله تعتلى حبلا معلقا في مدخل منزلها تضع أسفلها خدادية قديمة، ويدفعها طفلا أخر لتحلق في الهواء وتعود أو كما قالت “بتسوسح”، هدير تبلغ من العمر 10 أعوام، وهي الطفلة البكرية لوالديها، ولها 5 أشقاء آخرين.

هدير تتمرحج على حبل

هدير تتمرحج على حبليعود اسم منطقة “الدابة”، تحريفا لكلمة “التابه”، أو قمة الجبل “تبة الجبل”، أعلى الجبل، وحرفت من قبل الساكنين هناك، وذلك بتحويل حرف التاء إلى دال.

وتقع المنطقة في عزبة سعيد بقرية المعابدة، التى تعرضت لأمطار غزيرة مطلع الشهر الماضي، ولكن لم يتعرض أهالي هذه المنطقة لضرر، ربما هو ما يرون أنفسهم غير محظوظين، لكون مساعدات الخير لم تطولهم بعد.

دورة مياه ومطبخ ومكان لنوم أطفال في غرفة
دورة مياه ومطبخ ومكان لنوم أطفال في غرفة

 

 

 

أطفال "الدابة" وهم يلعبون مع بعضهم
أطفال “الدابة” وهم يلعبون مع بعضهم
الوسوم