ملفات|سوريون.. حكايات من الألم والأمل

ملفات|سوريون.. حكايات من الألم والأمل
كتب -

إعداد- كوثر حسين وأميرة محمد ومحمد الجزار:

أطفال وسيدات ورجال طغت ملامح وجوههم البائسة على ألسنتهم في البوح عما عجزوا عن سرده، ربما لخوف منهم أو لأن الكلمات لن تصف معاناتهم.

اللاجئون السوريون تجدهم طيلة الوقت في الشوارع يُقلبون أرزاقهم، إما عمالًا أو أصحاب محال أو شحاذين، بعدما استقر بهم الحال في مصر منذ اندلاع الحرب هناك قبل 5 سنوات.. ” ولاد البلد” التقت عددًا منهم لتستمع إلى معاناتهم.

بهية: شوفنا ديارنا فى حلب تنهار بالقذائف قدام عنينا

في عمارة صغيرة مكونة من 6 طوابق، أخذتنا أقدامنا لشقة في الطابق الثاني بعدما علمنا بوجود أسرة سورية بأكملها تقطن هناك، استقبلتنا فتاة بوجه بشوش وابتسامة ضاحكة رغم جهلها لنا، أخذت تتجول يمينًا ويسارًا بحثًا عن أي شىء نجلس عليه، إلا أنها لم تجد سوى حصيرة صغيرة في إحدى الغرف من أصل غرفتين تتوسطهما صالة خالية من أبسط مقومات الحياة.

بدأنا في التحاور مع الفتاة وشقيقتها وأطفالهما الثلاثة عن الأوضاع في سوريا وحالهما الآن، وبدا عليهما شيئًا من القلق في بداية الحديث، ولكن تسلل الاطمئنان إليهما رويدًا رويدًا.

“شو بدنا نصير وشو بدنا نحكي، اللي تشوفونه على التلفزيون ولا أي شيء، هم بيخبوا نصف الحقيقة، الناس هُنيك ما بيشوفوا الخبز، الموت أحسن”.. بلهجتها السورية بدأت بهية جمعة، 23 عامًا، متزوجة ولديها ديبا (5 أعوام)، ويسرا (4 أعوام)، في سردها عن حال بلادها التي فرت منها خوفًا على أبنائها ورغبة في الاستقرار مع زوجها.

لبرهة ساد الصمت أرجاء المكان، ووضعت بهية يدها على قلبها، وبصوت حزين وابتسامة مكبلة قالت إنها جاءت إلى مصر منذ ثلاث سنوات بصحبة شقيقتها عائشة وأقامت بها ستة أشهر فقط إبان حكم الإخوان، وبعد رحيل مرسي تغيرت المعاملة مع السوريين وصاروا يسمعون ألفاظا نابية من قبل البعض في الشوارع، وكان ذلك السبب في رحيلها هي وأختها من مصر إلى تركيا.

مكثت بهية وأختها بتركيا حوالي عشرة أشهر، ولكنها واجهت حالًا أصعب.. واصفة إياه بقولها: “مت من الجوع في تركيا ما كنت بشوف أكل رغم إني اشتغلت، بس المعيشة صعبة”، موضحة أنها ذهبت بعد ذلك إلى الجزائر برفقة عمها، ولكنها واجهت نفس الحال خصوصًا أن الحكومة الجزائرية لا تسمح بعمل أجانب سوى لمن يحمل إقامة، لذلك عادت إلى مصر مرة أخرى.

تتوقف بهية برهة من الوقت لتتذكر معيشتها في حلب، وقد بدا على وجهها التغير واللهفة في تدوين تلك اللحظات.. “كنا عايشين في سوريا مرتاحين، جوزي تاجر بطاريات سيارات، وبيتنا كبير، وبتسكن شقيقتي في طابق وعمي ومرات عمي في طابق آخر، وعندنا سيارات وخدم في بيوتنا والستات كانت معززة”.

ذكرياتها جعلتها تنهمر في البكاء وتقول: “شو إحساس الواحد قلبه انحرق على بلاده، إحنا شوفنا ديارنا في حلب وهي تنهار بالقذائف قدام عنينا، وكنا بنقضي أيام بدون أكل ولا شرب ولا مية ولا كهربا ولا كنا نقدر نولع شمعة من الخوف، واللي كان يتعب أهون عليه الموت لأنه مفيش مستشفيات ولا أطباء ولا حتى مدارس ولا جامعات لتعلم أطفالنا”.

 عائشة: بزعل على الحال اللى وصلنا ليه.. لكن الحياة هنا أفضل من دمار سوريا

بجوار بهية تجلس فتاة أخرى تراقب حديثها في صمت ملامحها تتغير لكن عينيها الخضراوان يضفيا لوجهها جمالًا أكبر، حتى وإن كانتا حزينتان إلى أن قالت: “إحنا بندبر حالنا، الناس بيساعدونا وبيلموا لنا فلوس، وبتعدي علينا أيام من غير أكل بنروح الجوامع”.. في كلمات مقتضبة لخصت عائشة جمعة، 26 عامًا، أرملة، ولديها ابن يدعى عيسى، ويبلغ من العمر 10 أعوام، حالها في كيفية قضاء احتياجاتها.

تروى عائشة قصتها قائلة إنها جاءت لمصر بعدما هاجرت من سوريا بطريقة “غير نظامية” – حسبما تطلق عليها الأمم المتحدة – وحملت معها أوراقها وما يثبت هويتها ومنها استقرت في محافظة أسيوط، مشيرة إلى أنها تحمل هم الـ750 جنيهًا إيجار الشقة أكثر من المأكل والمشرب، وهو ما يضطرها للخروج لسؤال الناس.

وتضيف أنه “من أربع سنين إحنا كنا عايشين في حي الأشرفين بمنطقة حلب في سوريا بيوتنا راحت، وجوزي اتصاب في الحرب، وهو مريض بسرطان في الدم، ومنجحتش في علاجه بالقاهرة، وسافرت بيه للجزائر، وتوفي هناك، ورجعت أنا على السودان ومنها لمصر”.

وتردف قائلة: “كنا عايشين مستورين في سوريا، وجوزي كان يعمل في تجارة بطاريات السيارات، ولكن بعد اندلاع الحرب ظهرت عمليات السرقة والسلب والنهب واقتحام المنازل وسرقتها، وكانوا بيهددوا أزواجنا بقتلنا في حالة مقاومة عصابات السرقة”.

وتُنهى عائشة حديثها بقولها: “بزعل على الحال اللي وصلنا ليه، لكن الحمد لله، الحياة هنا أفضل من دمار سوريا”.

 غالية: لجأت للعمل كخادمة فى البيوت عشان أوفر مصاريف المعيشة

“ما في أمان إلا بمصر بعكس البلاد الأخرى بيعملوا للاجئين مخيمات، ويرموهم على الحدود”.. هكذا عبرت غالية محمد عبدالعزيز، 27 عامًا، أم لثلاثة أطفال، عن رضاها بالواقع المفروض على اللاجئين السوريين هنا.

كانت ملامحها تحاول الإيحاء بالثبات والقوة ولكن فضحتها عيناها اللتان امتلأتا بالدموع حينما ذهبت لطلب المساعدة من مسؤولي الأوقاف.

اقتربت منها لأعرف قصتها، وقالت لي: “كنا عايشين في حلب ببيت كبير ومزرعة ميسورين الحال وجوزي طبيب أسنان، وبمرور الوقت حدث ما حدث، وصارت الناس تدخل علينا، وتقّتل أولادنا، ويغتصبوا الصبايا، وحرقوا المزرعة وتأزم الوضع للغاية”.

تذكر غالية “الفرار كان بمثابة طوق النجاة لنا ومنذ عام مضى استغثنا بالداعية محمد حسان ووفر لنا باخرة تنقلنا أنا وزوجي وأولادي وأبوي وزوجة أخي ولاجئين آخرين من حلب إلى مصر، وفقدت في ذلك الوقت زوجي، ولا أعرف أين ذهب وتوفى أبي على الباخرة، وبعدها استقبلنا حسان 5 أيام في القاهرة، وطلب منا بعد ذلك الذهاب للأرياف فقدمت إلى محافظة أسيوط”.

تضيف أن “المصاري (المال) كانت العائق الأكبر أمام أسرتنا، ولذلك لم نستطع الحصول على إقامة مصرية، وعدنا لأسيوط وأقمنا بشارع رياض بوسط المدينة وحى الأربعين، واستأجرت شقة بـ500 جنيه شهريًا، وعملت بائعة في سوبر ماركت براتب 700 جنيه”.

وتسرد غالية “الناس هنا كويسة ولكن المصاري ما كانت بتكفي العيشة والمصاريف، ولجأت للعمل كخادمة في بعض بيوت من عرفتهن بـ50 جنيهًا في اليوم إلا أن البعض نصحوني بالذهاب لمركز طهطا بمحافظة سوهاج، حيث رخص إيجار الشقق وسهولة المعيشة”.

وتكمل “بالفعل انتقلت إلى هناك وصاحب البيت أعطاني شقة إيجار بـ250 جنيهًا، ووفر لي عمل بمحل أدوات بلاستيكية براتب 300 جنيه ولا يُحصل منى قيمة الإيجار، وأهو ماشي الحال وقدمت لأبني في مدرسة ابتدائي عشان مش موت وخراب ديار”.

تمثل غالية العائل الوحيد لأسرتها المكونة من أحمد، 4 سنوات، ورامز، 7 سنوات، وفرح، عامين، وزوجة أخيها، ووالدتها المريضة.

وتردف “زمان السوريين كانوا ما يلفوا في الشوارع، وتُقدم لهم الجمعية الشرعية المساعدات والأموال وكافة أشي، لكن توقف كل أشي في الوقت الحالي، ولجأنا للتسول”.

وردًا على سؤال حول ما إذا تحسنت الأوضاع في سوريا هل ستعودين لبلادك؟ قالت “شو بلاقي في بلادي جوزي ضاع وأخواتي ماتوا في الحرب وأبويا مات على الباخرة، هنا أفضل حالًا”.

 برغل: اتحبست 15 يومًا.. ولجأت للزواج بمصرية للحصول على الإقامة

كان منهمكًا في استكمال تصميم فستان زفاف، جلسنا نشاهده في ترقب فقد كانت يداه تعملان باحتراف شديد، إلى أن انتهى منه وأول ما ذكره بلهجة قوية “السوريون مش كلهم متسولين، ولا هم عالة على أحد”.. هذا ما تحدث به أحمد وليد برغل، 33 عامًا، لاجئ سوري صاحب مصنع فساتين للزفاف بالقاهرة، ويقطن في أسيوط.

استدار وبدأ الحديث عن معاناته منذ فراره من سوريا حتى وصوله للقاهرة قائلا: “دخلت مصر في عام 2013 هاربًا من النظام السوري الطاغي بعدما سُجنت هناك لعدة أيام كانت الأصعب في حياتي، ومنها رحلت إلى تركيا ووصلت مصر بالتهريب للبدء من جديد”.

بابتسامة تحاول أن تنتصر على الواقع يسرد الشاب أحمد: “بدأت تدشين مشروع فساتين الزفاف بمدينة نصر في القاهرة، واستأجرت مصنعا للفساتين بعمالة 40 مصريا وبرأس مال بسيط، وبمرور الوقت تطور المصنع، ومنه افتتحت محلًا لتأجير فساتين الزفاف بأسيوط”.

وبفخر واعتزاز يوضح برغل أن قدم العلاقة بين مصر وسوريا كان دافعه الأول للتفكير في اللجوء لمصر، بسبب المعاملة الطيبة، ويتابع: “أنا اتحبست 15 يومًا ولجأت للزواج بمصرية للحصول على الإقامة، وأواجه صعوبة الآن في دخول زوجتي السورية وأبنائي لمصر، خاصة أن عمليات التهريب تحتاج لمبالغ باهظة، كما أن الدخول للحدود ممنوع إلا بتأشيرة من الأمن الوطني”.

ويضيف: “المصاري اللي عملتها في سوريا قبل القصف والحرب بعد ما خلصت الخدمة العسكرية هناك في سنتين، مستحيل أعملها فى مصر حتى في 10 سنين، فحياتي كانت ميسرة للغاية، ورغم ما حدث في سوريا إلى أنها أفضل حالًا من مصر”.

وينهي حديثه بالقول إن السوريين غالبًا ما يتجمعون في مطعم أو إحدى الكافيتريات السورية ليتذكروا بلادهم في حديثهم وضحكاتهم، مردفًا “لو تحسن الوضع السوري سأعود لبلادي”.

عن اللاجئين السوريين

بحسب تقارير مفوضية شؤون اللاجئين يوجد في مصر 160 ألف لاجئ مسجلين لدى المفوضية حتى 2015، ولكن وزارة الخارجية المصرية، أعلنت عن وجود 400 ألف لاجيء سوري حاليًا في مصر.

وقال مساعد وزير الخارجية للشؤون العربية، السفير طارق عادل، إن مصر تستقبل كل هؤلاء في مناطق سكنية ولم تضعهم في مخيمات كما تفعل الكثير من دول اللجوء الأخرى.