منطقة ساحل سليم الصناعية تحتضر ويهجرها المستثمرون

منطقة ساحل سليم الصناعية تحتضر ويهجرها المستثمرون منطقة ساحل سليم الصناعية ـ تصوير: أحمد دريم

تصوير: أحمد دريم

منطقة ساحل سليم الصناعية منطقة تائهة في ولايتها، فهي لا تدخل ضمن ولاية محافظة أسيوط،  وتتبع الجهاز التنفيذي للهيئة العامة لتنفيذ المشروعات الصناعية والتعدينية التابع لوزارة الصناعة، وإداريًا تتبع محافظة سوهاج.

منذ الثمانينات صممتها المقاولون العرب منحة أوروبية بساحل سليم، وتم تسليم الهناجر بها مكتملة، وها هي المنطقة تشيخ وتحتضر بسبب محاصرة المشكلات لها، وتبحث عن من ينجدها من براثن النهاية.. التحقيق التالي يرصد مشكلات المنطقة:

منطقة ساحل سليم الصناعية تحتضر ويهجرها المستثمرون
المواصلات

لا وسيلة مواصلات للذهاب إليها سوى الوسائل الخاصة، ولا ملمح يوضح أنك متجه صوب منطقة صناعية، فلا لافتة لها ولا حتى بوابة مغلقة، فأنت أمام باب مفتوح على مصراعيه في طريق صحراوي.

ومن داخل المدينة بدأ صلاح علي، صاحب مصنع بلاستيك، حديثه شارحا: الصرف الصحي غير مكتمل فلا توجد محطة رفع صرف صحي، والطفح مستمر والشوارع غارفة بمياه الصرف والتلوث يحيط بالمكان.

منطقة ساحل سليم الصناعية تحتضر ويهجرها المستثمرون
الإنارة

يتابع: المدينة ليلا بلا إنارة والأجواء مرعبة، ولا توجد مواصلات لها، وصاحب المصنع يحضر بسيارته الخاصة؛ أما العامل فهو من يُقاسي، فاليومية 70 جنيهًا منها ثمن مركبة توك توك حتى نقطة تفتيش المطمر، ثم ينتظر أي وسيلة مواصلات تحمله إلى بلدته “كده تبقى يوميته ضاعت، عشان كده في عمال مبترضاش تشتغل معانا”، ويكفي انتظاره للسيارات على الطريق لوقت طويل.

يُكمل صاحب المصنع: العمل يكون بنظام الورديات، ووردية الليل يعاني فيها العامل في الذهاب والإياب، وأحيانا يأتي متأخرا ساعتين وأكثر، وهذا يؤثر على مسيرة العمل.

إنها أجواء الظهيرة؛ ولكنك تشعر أنك بعد منتصف الليل، فالمكان هادئ لا حركة فيه لبشر، وأقفال على بعض أبواب المصانع الموصدة، فالمكان شبه خاوٍ على عروشه في أغلب مناطقه.

ويستأنف علي حديثه: لا يوجد بالمدينة لا عربة إطفاء ولا إسعاف، ونحن معرضون للإصابات في أي وقت، وذات مرة أصيب إصبعي في الماكينة وظللت أنزف حتى وصلت لمستشفى بأسيوط.

منطقة ساحل سليم الصناعية تحتضر ويهجرها المستثمرون
الحاجة

يتابع: المبنى الإداري لا يعمل، ولكي أدفع الإيجار أنا مضطر للذهاب للقاهرة لدفعه، ولأن المسافة بعيدة أسافر على أوقات بعيدة فيتراكم عليّ الإيجار، “أنا هكمل هنا بس عشان محتاج ولو لقيت الأحسن همشي فورا”.

الأمان

الحركة بدأت تظهر نوعا ما، ربما كانت رائحة لمصنوعات، أو لعمال يُعبئون أجولة من المنتجات، وإذ بصوت أحمد محمود، سائق، ينطلق شارحا: لا يوجد أمان بالمدينة ليلًا فهي تتحول لظلام دامس.

منطقة ساحل سليم الصناعية تحتضر ويهجرها المستثمرون
المياه

ويفجر محمد عبده، عامل، مشكلة أخرى قائلًا: المياه سيئة جدًا ولا تصلح للاستخدام الآدمي “بنجيب جراكن معانا من بيوتنا”، وفي المساء أضطر لاستقلال أي سيارة من على الطريق السريع حتى الكمين، ومن أمام الكمين استقل أي سيارة تكون متجهة نحو المركز ومن المركز سيارة أخرى للقرية “يعني المرتب ضاع”.

البعض ترقب مشهد الحديث ولكنهم رفضوه، فهم يرون أن الحديث الصحفي معهم سيكتب نهاية “لقيمة عيشهم”، لأنه سيقلب عليهم الأمر مع الجهات الرقابية.

ولكن مايكل فؤاد، صاحب مصنع فايبر، رحّب بالحديث أملا في حل: “قولي إيه اللي مش بيواجهنا وإيه اللى مش بنشتكي منه هنا؟”، أبسط الأمور أنني أحضر المياه معي من أسيوط. أما الإنارة فهي ذاتية، كل شخص يُنير أمام مصنعه وغير ذلك فهو مكان أشباح.

يُكمل: المواصلات سيارات خاصة ونُحضر سيارة للعمالة، فمن أين يأتون بمواصلات أصلا في هذا المكان القاحل؟..  “أنا كسبان الستر، الله جاب الله خد الله عليه العوض”. وحتى يقول المسؤولون أن هناك استثمار عليهم أن يوفروا للمستثمر البيئة التي يحتاجها، فعلى الأقل توفير مكان أدفع فيه الإيجار.

منطقة ساحل سليم الصناعية تحتضر ويهجرها المستثمرون
الخوف

أما (غ. الجندي)، سائق، رفض ذكر اسمه وقال: منذ تأسيس المدينة ومشكلة الصرف الصحي تسيطر على المكان، والمشكلة الأخرى أن بعض الجهات الرقابية تُثقل في فرض المحاضر، فالمحضر الواحد يصل لـ30 ألف جنيه، ومصانع أغلقت أبوابها وهجرت المدينة بسبب المشكلات المتعددة، ومنها المحاضر وسوء الأحوال المادية، وأنا كنت  شريكا في مصنع، وتركت الشراكة وبعدها أغلق الشركاء المصنع ورحلوا، والمصنع ليس فقط لصاحبه بل بداخله عمالة، فلماذا لا يتدخل جهاز تنمية المشروعات الصغيرة لدعم تلك المصانع؟

الصرف

رائحة الصرف الصحي الكريهة كفيلة بأن تُرديك مريضا، فالبرك تتوزع في الشوارع بمياهها السوداء، وأغطية غرف التفتيش التهمها الصدأ وهجرت فوهة الغرف، فالمشهد سيئ وقاسٍ جدا.

ويأتي صوت جديد يفتح دفتر الحديث القديم لسابقيه ومؤكدا عليه، ليقول سعيد جرجس، صاحب مصنع أكياس: “إنتوا أخدتوا الصورة والصورة تتكلم عن نفسها”، مياه الصرف تفيض طوال الوقت والرائحة أبشع من أن يتحملها أحد، وأعمدة الإنارة بلا كشافات، وهناك من يعمل على مدار 24 ساعة.

وبينما يتحدث سعيد، إذ بفتيات يخترقن لحظات صمت المدينة ويخرجن من المصنع، ومن بينهن تتحدث دينا محمد، عاملة: “كل يوم باجي الصبح على ريحة المجاري والطفح الواحد مبقاش قادر يتحمل”.

منطقة ساحل سليم الصناعية تحتضر ويهجرها المستثمرون

قرب باب المدينة منطقة ضحلة، هي أشد مناطق المدينة تضررا من الصرف الصحي، حتى إن المياه الفائضة تسير كما لو كانت مجرى مائي، وإذا بـ”رضا عربي”، صاحب كشك، يقول بأعلى الصوت: “محدش بيقدر يقف 3 دقايق عشان يشتري مني حاجة بسبب ريحة الصرف”، والطفح مستمر أمام مقر لقمة عيشي، وقبل المغرب لابد أن أمشي أنا وابنتي، قبل أن يغتال الظلام المنطقة فنهرول فارين من هنا، “وكمان محدش بينضف الزبالة” والجميع يُنظف مكانه بنفسه.

منطقة ساحل سليم الصناعية تحتضر ويهجرها المستثمرون

ويأتي صوت رافض لذكر اسمه يختتم الجولة بسؤال:

هل يليق هذا الوضع بمدينة صناعية بها مصانع مُصدرة مثل ليوني لضفائر السيارات، وهى شركة ألمانية وتنتج منتجات مكتوب عليها صُنع في أسيوط، ويتم تداول منتجاتها عبر السوق العالمي وليس السوق المحلي؟.. هذا خلاف ابن سينا فارما للأدوية، ومصانع قطن ومجزرين لحوم آليين ومصانع مستلزمات طبية ومحطتي تعبئة وتغليف رمان ومصانع مواد غذائية.

منطقة ساحل سليم الصناعية تحتضر ويهجرها المستثمرون
مسؤول

يأتي رد المهندس محمد عبدالجليل، سكرتير عام محافظة أسيوط: خلال أيام ستقوم شركة مياه الشرب والصرف الصحي باتخاذ اللازم لحل مشكلة الصرف.

أما أمل جميل، المتحدث الإعلامي بشركة المياه، فقالت: جارٍ فحص شكوى المياه وسحب عينة، علما بأن المدينة الصناعية تتغذى من محطة مياه المطمر الجديدة وتحتوى على 7 آبار ومنظومتين كلور.

ومن جانبه أوضح المهندس مدحت محمد، مدير إدارة الاستثمار بالمحافظة، أنه تم الاتفاق بين الجهاز التنفيذي للهيئة العامة لتنفيذ المشروعات الصناعية والتعدينية وشركة مياه الشرب والصرف الصحي، على إنهاء الصيانة لمحطة الصرف الصحي بعد مراجعة لذلك من المركز الاستشاري بكلية الهندسة، وتحديد متطلبات التشغيل.
حيث ويقوم الجهاز بدفع مبالغ الصيانة وتسليك الشبكات واستلام المحطة للتشغيل، وخلال ذلك يتم دراسة بروتوكول، بحيث تُدير محافظة أسيوط المنطقة ويُوقع البروتوكول مع الجهاز بعد إنهاء المشاكل الكبرى.

المنطقة

هي مجمع للصناعات الصغيرة بقرية الغريب، يتكون من 498 وحدة مجهزة بكامل المرافق في إطار خطة الدولة للتنمية الاقتصادية الشاملة.

منطقة ساحل سليم الصناعية تحتضر ويهجرها المستثمرون
اقرأ أيضًا

صور| الأزمات تُحاصر المدينة الصناعية بساحل سليم.. ومستثمرون: تسكنها الأشباح 

المشكلات تحاصر منطقة عرب العوامر الصناعية في “أبنوب”.. ومسؤول يرد

الوسوم