مهلبية العم “بلبل”.. 43 عاما في صناعة الحلوى جعلته من علامات منفلوط

مهلبية العم “بلبل”.. 43 عاما في صناعة الحلوى جعلته من علامات منفلوط عم بلبل صانع حلوى بمدينة منفلوط

تصوير- أحمد دريم

ثلاثة وأربعون عاما قضاها العم بلبل في صناعة وبيع الحلوى ليصير مع الأيام من أشهر بائعي الحلوى بمدينة منفلوط وحديث الشارع هناك، حتى إنهم يتناقلون سيرته المحملة بروائح الكفاح عبر مواقع السوشيال ميديا.

عيد عبدالحليم، هو الاسم الحقيقي للعم بلبل ولكن شعب منفلوط لا يناديه إلا بإسم الشهرة “بلبل”، وإن نزلت إلى قلب المدينة وسألت عنه، تجد الجميع يعرفه فليس من الصعب الوصول إليه.

عم بلبل أثناء تجهيز أحد أطباق المهلبية لبيعه
عم بلبل أثناء تجهيز أحد أطباق المهلبية لبيعه

في الشارع الجديد بميدان المدارس اعتاد العم بلبل الوقوف كل صباح بعربته الخشبية البيضاء ذات الثلاث عجلات والجوانب الزجاجية المحملة بأطباق الأرز بلبن والمهلبية، تلك العربة التي يجددها كل ثلاث سنوات مصمما على أن تكون بنفس الطراز ونفس اللون والتي يلتف حولها المشترون على اختلاف الأعمار أطفال وكبار وشيوخ ليبيع لهم منتجاته بروح محملة بالبهجة والرضا حيث لا تفارقه ابتسامته المضيئة التي يوزعها مجانا على المشترين مع الحلوى.

وعن صنعته يقول، “من زمان اتعلمتها.. علمهاني ابن عمي ومبسوط بيها أنا بشتغل بشرف وعجبتني وحمدت الله عليها، وكان عمري وقتها 17 عاما، فأنا أصغر إخوتي فنحن أربعة إخوة ونشأت في أسرة جميلة متحابة متوسطة الحال، هكذا لخص العم بلبل بداية طريقه في عمله وبدايات حياته”.

العربة الخشبية رفيق رحلة العم بلبل
العربة الخشبية رفيق رحلة كفاح العم بلبل

بدأ عم بلبل مشواره من منطقة القلعة بمدينة منفلوط، ولكن مع الأيام تغير مكان عمله إلى الشارع الجديد بعدما ازدحمت منطقة القلعة “لقيت خناقات كل شوية وأنا بحب الاختصار”، وحينما بلغ من العمر 20 عاما تزوج، واستمر في كفاحه حتى استطاع شراء قطعة أرض في الثمانينيات وشيد بيته الخاص على يده من مشروعه الخاص، “البيت بنيته على دراعي”، ليصير مع الأيام بيت الأب الذي يجمع أبنائه وأحفاده.

يصنع العم بلبل الحلوى في بيته ثم يخرج لبيعها، “بعمل الكمية في البيت بإيدي وأجيبها معايا ولازم أجرب الخامات قبل ما أشتريها لازم حاجة نضيفة وجديدة”، هكذا بسير إلى سر الصنعة وسبب إقبال الناس على حلوله.

ومع تغير الحياة، وارتفاع الأسعار، كان على العجوز أن يطور من عمله، “في الماضي، كنت أخرج بعربتي في الصباح الباكر وأنتهي من عملي عند العصر ولكن مؤخرا صرت أعمل من السادسة صباحا حتى العشاء بسبب زيادة الاحتياجات، وأعود للبيت عند الثامنة مساء وأبدأ في صناعة الحلوى في الثانية صباحا، مضيفا “بتعشى الساعة 3 الصبح”، وعند السادسة صباحا أبدأ في تنظيف العربة ووضع أطباق الحلوى بها وأخرج للشارع مع دقات السابعة صباحا وأظل واقفا على قدمي على العربة حتى عودتي للمنزل لا أجلس دقيقة واحدة “شقا بالليل وشقا بالنهار بنام ساعتين في اليوم”.

اللمسات النهائية لتقديمه طبق أرز بلبن لأحد الزبائن
اللمسات النهائية لتقديمه طبق أرز بلبن لأحد الزبائن

المزاح والدعابة بين العم بلبل ومن حوله من البائعين والمارة لا يتوقف، والإقبال على الشراء كان سببا في قطع العم بلبل لحديثه مرارا، قبل أن يعاود حديثه، “لدى مكاني الخاص بي في المنزل لصناعة الحلوى وممنوع دخول أي شخص لهذا المكان وخاصة الأطفال أحفادي ممنوع منعا باتا ولا حتى فتح الباب علىّ أثناء العمل “لو اتفتح الباب وخش الهوا وأنا بشتغل يخسر الحاجة وممنوع دخول التراب عشان الحاجة متتلوثش أنا لازم أحافظ على النظافة”.

خلف الجوانب الزجاجية يخبئ العم بلبل أطباق الحلوى والملاعق تحت قطع من الشاش النظيف وفوق العربة جردل من الماء يغسل فيه الطبق الذي انتهى الزبون من الأكل فيه ثم يضعه جانبا لحين الوصول إلى البيت ولا أحد يأكل فيه مرة أخرى ولكن الغسيل بقصد النظافة وعدم جذب الحشرات.

محتويات العربة من الداخل
محتويات العربة من الداخل

“ببيع بأي حاجة.. بنص جنيه ماشي.. بجنيه بتلاتة ماشي.. مبقولش لأ لأي حد”، تلك هي طريقة تعامل العم بلبل مع الزبائن المتكدسين حوله حبا في منتجاته التي يفتخر بصناعتها ويعتز بها معلقا بقوله “ربيت ولادي منها وماشي على أد حالي، ورزقني الله بزوجة صابرة راضية كانت ومازالت سندي على طول طريق الحياة وربيت أودي الأربعة على الرضا.. كنت ممشيهم على الأد”.

يرى العم بلبل أن عمله الشاق جهاد في سبيل الله فهو قاسى وما زال يقاسي من أجل العمل الشريف ورزق الحلال وتربية أبنائه ومساندتهم حتى بعدما كبروا وشبوا وصاروا رجالا “ساعدت ولادي كلهم في الجواز ربنا قومني أساعدهم من المهلبية”.

بعض الأطفال يبتاعون الحلوى بمبالغ زهيدة
بعض الأطفال يبتاعون الحلوى بمبالغ زهيدة

مازال العم بلبل صاحب الابتسامة الذهبية المشرقة يستغرق في حديثه متحركا بعربته في محيط الشارع، ورغم عشقه لمهنته إلا أنه رفض تعليم أي من أبنائه لصنعته خوفا عليهم “إن مت محدش من البيت كله هيعرف يكمل الصنعة ومعلمتش ولادي الشغلانة دي عشان ميسدوش فيها مع الناس اللي برة، أنا مقبول للناس وبتحمل ساعات هزار تقيل بس ولادي ميتحملوش لو علمت واحد من عيالي هيخش اللومان”.

ابتسامته التي لا تفارقه طوال حديثه
ابتسامته التي لا تفارقه طوال حديثه

طلبات العم بلبل من الحياة تلخصت في أمر واحد وهو عودة المعاش الذي كان يتقاضاه 350 جنيها بعد انقطاعه فجأة منذ شهر يناير ولم يعد إليه ثانية. وأكثر ما يعكر صفوه حينما تقل حركة البيع والشراء “بتضايق لما السبوبة تبقى معكرة لما ميبقاش في حركة بيع”.

واختتم حديثه الشيق قائلا: “أنا فخور بمهنتي هي مش حرماني حاجة، ورزقي منها انا وعيالي، وحامدين ربنا عليها”.

أثناء تجوله بعربته لبيع الحلوى
أثناء تجوله بعربته لبيع الحلوى
الوسوم