هل تتغير نظرة المجتمع للمرضى النفسيين؟

هل تتغير نظرة المجتمع للمرضى النفسيين؟ كاريكاتير - رسوم: صفوت المنقبادى

“سمر وزينب وأحمد”.. نماذج شبابية عانت من نبذ أفراد المجتمع لهم، لمجرد أن ظروف حياتهم دفعتهم إلى اللجوء لمستشفى الصحة النفسية للعلاج، وبالرغم من تعافيهم بشهادة الأطباء، إلا أن المجتمع ينظر لهم على أنهم أشخاص غير أسوياء، ويرفض التعامل معهم اجتماعيًا أو أسريًا أو عمليًا.. “الأسايطة” ترصد قصصًا عن معاناة هؤلاء الأشخاص مع مجتمعاتهم.

 سمر: انتي مجنونة.. كلمة بشوفها فى نظرات الناس وتصرفاتهم معايا

في حديقة مستشفى الصحة النفسية جلست فتاة يبدو من ملابسها الأنيقة وجلستها المتزنة الهادئة انتمائها لعائلة راقية، وهو ما أكدته سمر، 30 عامًا، خريجة كلية الحقوق، من مدينة أسيوط، التقيتها بمكتب الأخصائي الاجتماعي تقوم بعمل المتابعة الشهرية.

وقالت لي: والدي كان يعمل مهندسًا بإحدى الدول العربية، وكنت أنا وأخوتي الولدين الأكبر مني سنًا نتعلم في مدارس خاصة، وعندما عاد والدي، وقرر المكوث بالمنزل بدأت المشاكل بينه وبين والدتي وبينا وهو ما جعلني غير متزنة نفسيًا.

وتضيف: دخلت مستشفى الصحة النفسية 5 مرات، كان أولها عندما كنت في الصف الثالث الثانوي، حين لاحظ والدي إصابتي بحالة من التوتر والقلق الزائدين، فتوجه بي إلى المستشفى، أما المرات التالية كانت بسبب أزمات عاطفية تتخلص في حبي لأشخاص في نظر أهلي غير مناسبين، وبالتالي يتم رفضهم، عندما يتقدموا لي بالجواز، فتصيبني حالة من التعب النفسي الشديد، واُحتجز بالمستشفى لفترات ليست طويلة.

باستياء شديد استنكرت سمر تصرفات البعض معها عند علمهم بأنها كانت مريضة نفسية، مؤكدة أنها لا تتعامل مع أحد بطريقة مزعجة، إلا أنه عند علمهم بأنها احتجزت بالمستشفى فترة تتولد  لديهم رغبة في عدم الثقة بها، ومنهم من يمتنع عن الكلام معها دون مبرر.

“انتى مجنونة”.. بدموع متحجرة وباختناق شديد في نبرة الصوت تشير سمر إلى أن أصعب ما تواجه في حياتها هذه الكلمات، برغم أنه لم يقلها أحد لها بلسانه إلا أنها تشاهدها في تصرفات أو نظرات الناس تجاهها، ووصف أفعالها بأنها غير متزنة، والتعليق على رد فعلها على أي مشكلة طارئة في العمل بأنه أمر زائد عن حده.. “لما أتعصب شوية أو أتضايق يقولون عليّ أصلها مريضة وبتتعالج نفسيا”.

  زينب: العرسان بتسبني لما تعرف إني كنت بتعالج فى مستشفى الصحة النفسية

برغم من انتهاء مدة علاجها بالمستشفى، إلا أنه مازال هناك شيئ عالق بنفسها يمنعها من الحديث باستفاضة، وهو ما يظهر في نبرات صوتها الحزين ونظرات عيناها البائسة، إنها زينب، 24 عامًا، من مركز ديروط، ترددت على مستشفى الصحة النفسية 4 مرات، حيث رفضت سبب مرضها النفسي، وفضلت الكلام فقط عن انتكاستها، وعودتها إلى المستشفى مرة أخرى.

“المشكلة تبدأ مع أول عريس يتقدم ليا بعدها برجع المستشفى للعلاج تاني”.. هكذا توضح زينب  أول اصطدام لها مع العالم المحيط بها وتقول: “بسبب تعبي النفسي أختي الكبيرة افتكرت أنها لها الحق تتكلم عني وتتدخل في أمور حياتي، وده كان بيظهر لما بيتقدملي عريس، بتدي لنفسها الحق تتكلم عن تعبي وأني اتعالجت فترة، فبالتالي بقابل ده برد فعل وحش من الشخص المتقدم لي”، مشيرة إلي أن هذا الأمر سبب لها صدمتين  ولكن صدمتها الأكبر تتعلق بشقيقتها.. “المشكلة مش في الشخص لأن رفض واحدة مريضة نفسية، المشكلة في أختي لأنها مش معترفة إني خفيت وبقيت زي زيها”.

بنفس عزيزة وتجاهل الأحداث توضح أسماء أنها تحاول أن تأقلم نفسها على العيش في مجتمع لا يعترف بالمريض النفسي، وقررت التجاهل والتركيز على مستقبلها، وقامت بافتتاح محل ملابس ليكون مصدر دخل لها، ويخلق لديها إحساس بالاستقلالية بعيدا عن سلطة شقيقتها، ويمنع إحساسها بالاحتياج لرجل يرفضها لأنها “مريضة نفسية”.

 أحمد: أهلي شايفني “مجنون”.. لكن أنا إنسان طبيعي وواثق من نفسي

إيه ياعم هي اشتغلت ولا إيه.. ده دماغه تعبانة”.. بروح الدعابة وخفة الظل يحدثني أحمد صابر، 24 عامًا، من محافظة المنيا، يعمل نجار مسلح، عن كلام المحيطين به بمجرد خروجه من المستشفى فيقول: “بكون خارج وحاسس إني إنسان طبيعي لأني أخدت كورس العلاج بالكامل، وبكون واثق من نفسي بس ده كله بيضيع أول ما أروح البلد وأقابل قرايبي وأصحابي”، موضحا أن أغلب أقربائه يرون فيه الجنون، وأنه شخص لا يصح التعامل معه، وهو ما يجده في كلامهم سواء كان على محمل الجد أو الهزار.. “أنا بسكت ومش برد لأنهم أهلي”.

يضيف أحمد أن أكبر مشكلة لم يستطيع حلها هو رفضه من قبل أهل أي عروسة يتقدم لها، لأنهم يخشون عودة التعب النفسي له مرة أخرى، وهو ما يعود على تصرفاته مع ابنتهم ومنهم من يرفضه لمجرد أنه دخل مستشفى الصحة النفسية، مؤكدا أنه يحاول أن يتجاهل ذلك بإقناع نفسه أن “كل شيئ قسمة ونصيب”.

خبراء علم نفس واجتماع: علاج الأمر يبدأ من الأسرة.. والمجتمع المدني عليه تقديم التوعية

يقول رفعت راغب، أخصائي اجتماعي بمستشفى الصحة النفسية بأسيوط، المستشفى تعمل كحلقة وصل بين المريض والمجتمع من خلال طب المجتمع، الذي يركز على علاج مخاوف المريض من المجتمع من خلال تقديم علاج طبي وتأهيلي وترفيهي أيضا، فالطبي متمثل في الأدوية المناسبة لنوع الحالة، والتأهيلي من خلال تدريب الشباب على المهن المختلفة حسب الإمكانيات المتاحة داخل المستشفى، بحيث يستطيع بعد ذلك العمل كفرد من المجتمع، وبرغم من ذلك لا تستطيع المستشفى إيجاد حلول لكل مشاكل يواجهها المريض في المجتمع.

 موروثات خاطئة

تقول الدكتورة أسماء جابر مهران، أستاذ علم الاجتماع الجنائي بكلية الآداب، إن المجتمع يتعامل مع المريض النفسي بأنه شخص شاذ، بالرغم أن المرض النفسي علاجه أسهل من أي مرض آخر، لأنه يتعامل مع أحاسيس ومشاعر، تتغير بسهولة، وبرغم من ذلك فإن المريض النفسي يعاني من نظرة المجتمع أكثر من المرض في حد ذاته.

وترجع جابر السبب في ذلك إلى أنه من صفات المجتمعات النامية رسوخ موروثات خاطئة، فالمجتمع لا ينظر إلى المريض النفسي فقط، بل للمطلقة، ومن تلد إناث والعاقر وغيرهم بوصمة عار، فالبعد عن الدين يدفع لذلك.

وترى أستاذ علم الاجتماع الجنائي أن علاج هذه النظرة يبدأ من الأسرة، لأنها الخلية الأولى التي يحتك بها المريض بعد خروجه من المستشفى، فعليها أن تمنحه ثقته بنفسه والاعتماد عليه، وتحمله مسئولية قراراته، وأيضا لا بد أن تقوم مؤسسات المجتمع المدني بدورها في تقديم توعية بشأن المريض النفسي الذي يعد فردًا فاعلًا في المجتمع له حقوقه وعليه واجبات، وعلى دور العبادة تقديم الوعي الديني في عدم التفرقة بيننا وبين بعضنا.

 معلومات في سطور

659 مستشفى نفسي بالقطاع الحكومي و15 بالقطاع العام والأعمال.

941 مستشفى تابعة للقطاع الخاص.

تضم مستشفيات القطاع العام 18 ألف و48 مريضًا بالعيادات الخارجية.

 القطاع الخاص يضم 101 ألف و94 مريضًا بالعيادات الخارجية و12 ألف و944 بالعيادات الداخلية.

الوسوم