والدة الشهيد محمد رفعت: طلب من زملائه قبل المداهمة أن يلفوه بالعلم

والدة الشهيد محمد رفعت: طلب من زملائه قبل المداهمة أن يلفوه بالعلم الشهيد محمد رفعت ـ تصوير: محمد مجدي

تصوير: محمد مجدي

اليوم هو الخميس الموافق الرابع عشر من يوليو للعام 2016م، كانت أجواء الحرب تهيمن على منطقة الشيخ زويد بسيناء، والشهيد محمد رفعت هو بطل من أبطال إحدى معارك أرض الفيروز، والقرار كان الخروج لمهمة جديدة ضد العدو.

وفي صباح يوم الجمعة الموافق الخامس عشر من يوليو 2016م، استفاقت قرية الفليو بأبوتيج، في أسيوط، على خبر أفجع الكثيرين من أهلها، واستقبلت جثمان الشهيد البطل محمد رفعت عبدالحفيظ، بعد استشهاده إثر انفجار المدرعة التي كان يستقلها في إحدى العمليات الحربية ضد الفصائل الإرهابية بالشيخ زويد في الرابع عشر من يوليو… “الأسايطة” كانت في ضيافة أسرة البطل الشهيد لاسترجاع عبق ذكراه من الميلاد حتى الاستشهاد في حلفات سلسلة “أنا البطل”.

الطفولة

فى قرية الفليو بمركز أبوتيج، ومع دقات الساعة الثالثة عصرا انطلق صوت أول دقة على باب منزل الشهيد ليفتح والده الباب مستقبلا للحضور، وأول ما تقع عليه عينيك صور البطل التي تغطى جدران المضيفة، ومن داخلها انطلق صوت أمه الدامع لتتحدث عن قرة عينها قائلة: “لما أكون مضايقة بفتكره وبلاقيه جنبي ويقولي يا أمي أنا شهيد وانتي اللي ربتيني على الأخلاق دي”.

تستأنف الأم حديثها: في 23 ديسمبر 1993، جاء محمد إلى الحياة لينير حياتي وهو إبني الأكبر بين أربعة أبناء، ومنذ طفولته وهو هادئ الطباع كما النسمة، لم يتسبب في أي مشاكل  قط، كان مجتهدا ومحبوبا من الجميع، لم يتعبنا أبدا في تربيته على مدار جميع مراحل حياته، كان مطيعا ومحبا لنا، وكنا محور حياته “هو الوحيد اللي كان عايل الهم وشايل المسؤولية مع أبوه”.

الدراسة

الأعين تبكي والشفاه تبتسم بسمة اشتياق ووجع وحنين لقرة عينها، وترحل أعينها إلى بعيد كأنها تراه أمامها، حيث لا يمكن أن نراه نحن، وتكمل حديثها قائلة: أنهى محمد دراسته وحصل على دبلوم فني زراعي، ومنذ المرحلة الإعدادية قرر أن يكون سندا لوالده، “كان دايما بيعول هم أبوه وشايل همه ويقوله انت عندي بالدنيا كلها”.

أذكر له موقفا في صباه لن أنساه “كان محوش 70 جنيه، كان عايز يجيب عجلة كان نفسه فيها”، ولما تعذر والده لظرف ما، هرول على الفور وأحضر له المبلغ الذي كان معه وكان سعيدا بذلك، ففرحته كانت تكمن في رؤيتنا سعداء، وكان وقتها في الصف الأول الإعدادي.

حلم

تتابع والدة البطل: كان يقول لي “والله يا أمي علشان أكلمك بطلع فوق الجبل 7 كم، وكان ذلك حينما يكون خارجا لمأمورية كان يحب أن يحدثني ويطمئن علي دائما، وكان يتمنى بعد خروجه من الجيش أن يشارك في مخبز يكون له ولإخوته، وكان يحلم أيضا بالسفر للخارج، وقال لي: “نفسي أطلع بلاد بره عشان أطلعك إنتي وأبويا الحج”، فقلت له ولكني أحلم بأن افرح بك أولا وأراك عريسا، فرد قائلا “والله يا أمي لو رسيت إني أحطك على الكتف ده وأبويا على الكتف ده عشان أوديكم الحج همشي بيكم”.

“الحنية اللي فيه مش على حد أبدا”، كان يحب الناس ويحب الخير للجميع، ولو حدث مكروه لأي أحد يعرفه كان يحزن جدا، “عدوه يلاقيني تعبانة”،  لو سمعني أكح ليلا يهرول ناحيتي ويوقظ أخته ويظل واقفا فوق رأسي طوال الليل حتي يطمئن علي، ومهما تحدثت لا يمكن أن أصف حنيته علينا، كان لا يمكن أن يرتكب شيئا يغضبنا، كلمة “حاضر” هي التي كانت تتردد على شفاه دائما”.

الجيش

ما بين شهقة ودمعة وصمت عن الحديث ما بين الحين والآخر، وأعين أججبت الدموع حمرتها تتابع الأم حديثها: محمد هو فرحة عمري وبطل حياتي، وكان معشوقا لدى أخواله ويعتبرونه الابن والأخ، واستمر في كفاحه وعمله، ومرت الأيام وكبر ابن قلبي، وجاء الوقت للالتحاق بالجيش لأداء واجبه وتأدية الخدمة العسكرية، وكان سعيدا جدا بدخوله الجيش وكان يحب أصدقائه كثيرا.

شجاعة

تُكمل الأم: حكى لي أصدقائه بعد استشهاده وقالوا  “والله يا أمي محمد كان فيه حاجة لله”، فعندما كان الجنود خارجين للمأمورية، كان هناك من هم في مراحل انهاء خدمتهم ولن يخرجوا في تلك المهمة، إلا أن محمد قفز من مكانه، وقال “يالا انت وهو إحنا فاهمين الطريق وعارفينه عن الناس الجديدة”، وشجع كل زملائه  على الخروج للذهاب للمأمورية، ثم طلب أن يرتدي العلم، فلفه أصدقائه بالعلم قبل خروجه تلبية لطلبه والتقط به صورا، ثم جاء إليّ شهيدا ملفوفا في علم البطولة.

تتابع والدة البطل: كان عاشقا لوطنه، حتى إن أغلب الأغاني على هاتفه كانت أغاني وطنية وفيديوهات عن الشهداء، وكل هذا علمنا به بعد الحصول على هاتفه بعد استشهاده.

ولقد رأيته في رؤية بعد استشهاده، كان معي وكنا نسير وسط جناين ويحدثني ويقول لي: “يا أمي أنا فرحان بيكي” ورأيته مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إجازة

مر عامان على استشهاد البطل، ومازال وجع الدمع كأنه استشهد بالأمس، وصار الرداء الأسود هو الزي الدائم للأم لتواصل حديثها قائلة: في آخر عشرة أيام  قبل استشهاده جاء إليّ وقال لي إني رأيت رؤية يا أمي “شوفت نفسي عريس دخلت شقة عمري ما شفت زيها أحلى من الشقة اللي كنت بحلم بيها، وشوفت عروسة حلوة جدا يا أمي، تفتكري الحلم ده هيتحقق؟”، وآخر إجازة له كانت الأطول منذ دخوله الجيش، وكانت عشرة أيام ففي كل مرة كانت إجازته سبعة أيام.

وكان معتادا ألا يسلم على أحد عند سفره سواء لعمله أو بعد إجازات الجيش؛ لأنه لم يكن يحب ساعة الوداع، ولكن في آخر إجازة قبل استشهاده توقف وسلّم علينا “ساعتها قلبي اتغوغوش”، وبالفعل كانت آخر إجازة وكان آخر وداعا وكان السلام الأخير.

الوالد

منذ إلقاء فريق العمل التحية والسلام على أهل المنزل، بدأت دمعات الأب تترقرق بشدة وأخذ يشير بيديه ناحية صور البطل قائلا: “دي صور الشهيد” ثم تسللت الدموع وخرجت من عينيه قائلا: “كان طفل مطيع وهادي ولحد آخر لحظة في حياته عمره ما زعلنا”، كل من عرفه أحبه واكتست البلدة سوادا يوم جنازته.

اختار أن يكون السند لي، وبدأ العمل وهو صغير السن من بداية المرحلة الإعدادية، وحين صار شابا عمل “صنايعي فطير” في فرن بالإسكندرية، وبعد دخوله الجيش كان يقسم إجازاته شهر وشهر، فشهر يأتى لزيارتنا وشهر لا ينزل إلينا ويذهب إلى الإسكندرية مباشرة من كتيبته لممارسة صنعته، فلقد كان يترك ملابس له هناك في مكان عمله، “مكانش في حد في الدنيا أطيب منه، الله يرحمك يا ابني انت دلوقت في أحسن مكان”.

 

الوسوم