ولاد البلد

والدة الشهيد محمد صلاح: أخفى عمله بسيناء ولم أعلم إلا يوم استشهاده

والدة الشهيد محمد صلاح: أخفى عمله بسيناء ولم أعلم إلا يوم استشهاده

تصوير- أحمد دريم

بيتٌ هادئ.. صور للشهيد البطل محمد صلاح تُزين جميع حوائط المنزل.. وعلى أول الشارع مدرسة تحمل اسمه الذى نال الشهادة في ملحمة بطولية لأبطال مقاتلين خاضوا واحدة من أعظم الملاحم القتالية ضد الإرهاب الغاشم فى السابع من يوليو 2017 بمنطقة البرث بشمال سيناء، وهاجم فيها 150 تكفيريًا كمين البرث، واستشهد وأصيب 26 بطلاَ من أبطال الجيش، وقُتل 40 تكفيريًا، ودُمرت ست عربات دفع رباعى.

وفى ضيافة أسرة البطل الشهيد تسطر الأسايطة الحلقة الثانية من سلسلة “أنا الشهيد”.

 

ينطلق صوت والدته زينب محمد، بوجه باسم وأعين تحتضن دمعات مترقرقة حبستها تنفيذا لوصية محمد وتقول: كان جميل عُمره ما زعلنى ضحكته مكانتش بتفارقه، محمد ابنى البكرى وأول فرحتى وفرحة العيلة ومكانش طفل عادى ابنى من يومه راجل”.

الطفولة

تكمل والدة الشهيد: “في 13/11/1987 أشرق وجهه على الدنيا، لم يكن طفلا مشاغبا وكان يكره أن يُهزم كان صلبا، وفى دراسته كان متفوقا ويحب أن يكون فى المقدمة حتى حينما التحق بالفرق كان يذاكر كأنه مازال طالبا، وفى المرحلة الابتدائية كان المدرسون يدبسون له مبالغا مالية فى الكراسات احتفاءً بتفوقه ويقولون لنا “محمد هيكون ليه شأن كبير”

الكلية

تضيف الأم: كان بينه وبين كلية الهندسة فارق بسيط فى الدرجات فالتحق بكلية تجارة إنجليزى وقدم أوراقه للكلية الحربية، ورغم أن والده ضابط جيش إلا أنه لم يتدخل فى الأمر فلقد خاض كل المراحل بمجهوده.

بعينيها نظرة اشتياق سافرت بها إلى حيث ضفاف الجنة حيث يحيا محمد، مستأنفة حديثها: فى أجازة الكلية “كان يجيى حبيبى ويمشى زى النسمة محدش يحس بيه”، كان كل زملائه يحبونه، وكان يجمعهم ويشرح لهم، ولم يكن يحب الصوت العالى، وكان يحب الزى الأنيق والشياكة.

التخرج

تخرج فىي 2007 دفعة 101 حربية، إلتحق بسلاح المدفعية باللواء 62 بالإسماعيلية، وكانوا ينادونه بصلاح، والتحق بأكثر من فرقة ودوما تقديره امتياز ورُشح مرات عديدة للسفر فى بعثات خارج مصر وقبل استشهاده جاء التصديق له على بعثة.

تصوير- فاتن الخطيب
تصوير- فاتن الخطيب

ومن داخل غرفة الشهيد تستأنف والدته الحديث: كان كتوما فيما يخص عمله وفى أجازته لا يخرج من غرفته يجلس أمام تلفازه أو يقرأ فى مصحفه، وكان منظما جدا حتى ملابسه يضعها فى مكانها، وكانت وجبته الرئيسية الغداء.

السر

توضح أم الشهيد أن أبنها أخفى عنها عمله بسيناء لخوفه أن تعيش فى قلق، وتقول: التحاقه بالكتيبة 103 لأنهم كانوا بحاجة لضابط مدفعية كفء لأن أقرب مكان للدعم فى البرث بعيد، وكان سعيدا جدا كما أخبرنى قائده العقيد وائل، وشارك فى عملية حق الشهيد 1 و2 و3 و4 وتطهير جبل الحلال، وعندما حصل على شهادة تكريم لمجهوداته خبأها في سيارته حتى لانعرف.

الخبر

لم أعلم بأنه بخدمته بسيناء إلا يوم استشهاده فلقد جاء صديق حسام  صارخا ومناديا على حسام فاستوقفته جارتنا مرتجفة، ففزَعتُ وظننت أن حسام تعرض لحادث فإذ بجارتى تقول لى “محمد استشهد” فضممت على يدها “لا يا ليلى لا انتى حبيبتى يا ليلى متقوليش كده لا أنا ابنى في الإسماعيلية وكويس مفيهوش حاجة”، وفى رحلة الحج الماضى التقيت بقائده ولأول مرة أعلم أنه التحق بسيناء فى مارس 2015 وكان مصمما على البقاء بسيناء.

الصلاة أولا

وعن حياته تقول: أول شيئ يفعله فى أجازته عند دخوله البيت هو الصلاة وكان حريصا على ختم القرآن فى رمضان وعلى الصلاة فى مسجد يختم كل يوم بجزء. وحكى عساكر أنه أثناء المداهمات إما أن يصلى فى الصحراء أو يهرول للصلاة عند دخول سكنه مهما كان مرهقا.

تواضع

كان يرفض السير فى الشارع ببدلته العسكرية ولو اضطر لارتدائها يطلب من إخوته إحضار تاكسى قرب الباب ويقفز بداخله حتى إننى كنت أشهق من البلكونة “على مهلك يامحمد”، ولو مضطر  للتصوير بها يأخدها فى كيس ويرتديها هناك. لأنه كان يرى أن سيره ببدلته فيه تفاخر على من حوله.

العشق

منذ طفولته عاشق للعب كرة القدم وللنادى الأهلى وفى كل أجازة لابد أن يجمع أصدقائه لممارسة هوايته وكان يجبهم جدا، وكان عاشقا للجيش وللسيسى ومتوسما فيه قدرته على سحق الإرهاب ويوم فوزه أخذ أخته ولاء وظل يحتفل بسيارته طوال الليل.

الخير

لحظة صمت اصطحبتها تنهيدة باسمه ثم تقول: لم أعلم أنه كان شريكا لفريق للأعمال الخيرية إلا بعد استشهاده، وأذكر مرة كان فى زيارة لبيت جده فوجد شخصا طفلته متعبة ولم يكن يعرفه فأخذه بسيارته للمستشفى وجلس معه حتى اطمئن عليه.

الزواج

عِشق ابنى لعمله جعله يؤجل الزواج، ولقد حصل على ترقية قائد اللواء 62 الذى أطلقوا عليه اسمه، ولأول مرة يتولى ضابط في رتبته وسنه هذا المنصب، وذلك قبل استشهاده بأيام، وفي آخر إجازة “كان ما شاء الله بدر منور ووشه منور وجسمه رايق وأبيض.”.

والتقط حسام أخو الشهيد أطراف الحديث: الأبطال منسى والشبراوى كانوا يمزحون معه ويتسائلون لماذا لم يتزوج فأخبرهم أنه يؤجل كل شيئ بعد إتمام مهمته فى سيناء.

حكايات

محمد هو الابن الأول بين خمسة أبناء فبعده أحمد وإسلام وحسام وولاء، اجتمعوا فى جلسة استرجاع ذكراه العطرة ليذكر حسام: قبل استشهاده بشهرين أخبرنى بعمله فى سيناء واستحلفنى ألا أخبر أمى.

وحكى أحد العساكر أنه هو وزملائه كانوا بحاجة لخبز فطلب الخروج لشرائه فقال له “مالك في إيه”، فأخبره فأعطاه محمد طعامه بأكمله، فقال “طب وحضرتك يا فندم؟” فقال “مليكش دعوة بيا المهم انت وأصحابك”، وكان يعاملهم كإخوته.

وحكى صديق له: الشاب الذي يقدم الطلبات في الكافيه كان مهموما فحدثه “مالك في إيه”، فأخبره أنه في الجيش وأجازاته قليلة جدا فأخذ اسمه، وجاء الشاب وسألنى”صاحبك أخد اسمى ونزلت أجازة هو ده ظابط؟!، والله العظيم ولا كان باين عليه”.

ويروى إسلام: كان أصدقاؤه يقولون له كفاك طيبة “الناس هتستغلك” فيقول “أنا مبحبش أزعل حد”.

لم يتوقف صوت الأم المغرد بحكايات عن قرة عينها: قائده فى الإسماعيلية قال لي في العزاء “يا زين ما ربيتى يا أمي يا زين ما كبرتي إيه الأخلاق دي”، لم يرفض أمر لقياداته قط.

بطولة

فيما يعود حسام للحديث: فى المداهمات كان يتقدم العساكر والضباط وكان مغامرا، وحكى لي عسكرى: كنا في مداهمة ومارين بين جبلين عليهم إرهابيين، فأصابوا عسكري واستُشهد، فمحمد بمعرفته لجغرافيا المكان حدد الإحداثيات وأبلغ العمليات بسرعة فضربتهم وماتوا جميعا، ولولا ما فعله لكنا استشهدنا، “بس كان حزين على العسكري مكانش يحب يطلع معاه حد ويرجع من غيره”.

ويحكي أحد أصحابه: كنت أبكى على صاحب لنا شهيد فقال: “إيه يا ابنى في إيه الشهيد محدش يعيط عليه”، وزارنى في الحلم ثلاث مرات، وقال لى “أمانة عليك يا صاحبى تروح لماما وتقول لها متعيطش علىّ”، ومحمد أول شهيد مدفعية من دفعته وقالوا أنهم سيُطلقون عليها دفعة صلاح، “هو الوحيد اللى مدفعية فى الكتيبة 103”.

البرث

يروى حسام: المكان حيوى جدا والكمين خنق الإرهابيين بشدة لمدة أربعة شهور ولهذا خرجوا عليهم بشراسة، واستشهد محمد فجر الجمعة 7/7/2017 ووصل له خبر نقله فى الحركة التى ظهرت 1/7 “وكان هيعلق رائد فى 12 الماضى”، وتحدثت مع الضابط السباعي الذى كان معه في المعركة فقال: جاء أمر للكتيبة بالذهاب للبرث وبدأ كل منا في اتخاذ موقعه ومحمد كان يضبط إحداثيات المكان كله، المعركة استمرت لساعتين بدأت الثالثة والثلث الفجر وكانوا فى بيت آل راشد الذى قتله الإرهابيون هو وأهله لتعاونه مع الجيش فتمركزت القوة به لأن المكان خطير جدا ولابد من تطهيره ومنذ شهور يذهبون ويعودون، ولكن السابع من رمضان يوم التمركز.

المعركة

ويضيف حوالى الساعة الثالثة فجرا كان محمد وحسانين والسباعى والشبراوى واقفين فى البلكونة فى الدور الثانى وفجأة ظهرت سيارة على المدق وأحد الأفراد في الطابق السفلى أبلغ بذلك فأعطى منسى تعليماته لضابط الأمن الواقف على المدرعة “ابدأ بالتعامل معاهم وإضرب على السيارة”، ولكنها كانت مصفحة ومفخخة والضرب لا يؤثر فيها فضربوا بالآر بى جى وقائد السيارة محترف جدا ومن كثرة الضرب عليه فجّرَ السيارة “قبل الكمين بشوية”، وفجر واجهة الكمين “وعملنا كل حاجة بسرعة” للتعامل معهم “أنا ومحمد في الدور الثانى”ماسكين السلم”، والشبراوى واجهة المكان ومنسى فوق”، وفي الطابق الأرضى معظمهم استشهد في الانفجار والإرهابيين وصلوا الدور الأول ومحمد أرسل استغاثة للعمليات وبدأ يُعطى للعمليات إحداثياته وبدأها من على بعد 500 متر وآخر ضرب للعمليات 500 متر، ولكن محمد بدأ الضرب من 500 متر، وبدأت العمليات الضرب حتى 100 متر قبل الكمين وبالنسبة للمدفعية هي مسافة ستُفجر الكمين كله وقائد العمليات قال ثقتى في محمد جعلتنى أضرب على جميع الإحداثيات وحتى 100متر أوقفت الضرب فرفض محمد وقال “إضرب يا فندم أنا واثق من الإحداثيات دول احتلوا الدور الأول وهياخدوا جثث زمايلنا وأنا نازل اتعامل معاهم”، ووقتها كان منسى والشبرواى استشهدوا وأخذنا الشبراوى على الحمام لأنه كان المكان الوحيد الآمن وواجهناهم وجها لوجه والضرب علينا كان بالآر بى جى على كل الأماكن.

وكان إثنان من التكفيريين صاعدين على السلم “واحد ضربته مات” والثانى ضربنى في أصابعى وفى كتفى ثم ألقى قنبلة بجوار الحمام وهرب ومن كثرة الألم سقطت على الأرض.

وآخر كلام لمحمد “اضرب إحداثيات الكمين يا افندم دول طالعين على السلم”، فقال قائد العمليات “اضرب إزاى يا صلاح وانت موجود فيه؟” فقال “اضرب يا افندم معظم زمايلنا استشهدوا مش هقبل ياخدوا جثث زمايلى وأنا نازل أتعامل معاهم”.

الاستشهاد

“وأول ما وقعت لقيت محمد واقع جنبى وكان فيه الروح ولقيته واخد طلقة فى جنبه اليمين “14 بوصة” فعلمت أنه سيفارق فقلت له انطق الشهادة يا صلاح فنطقها.

وهنا يلتقط أحمد أطراف الحديث قائلا: ضابط العمليات كان يقول محمد كان يُبلغنى إحداثيات الكمين بكل قوة وثبات لم ألمح في صوته لحظة ارتباك.

عن الشهيد

الاسم: محمد صلاح إسماعيل

السن: 30 عامًا

الرتبة: رائد

الوصف: بطل شهيد

 

الوسوم