ولاد البلد

والد الشهيد إلهامى: موتة الشهادة شرف وابني كان بيتمناها

والد الشهيد إلهامى: موتة الشهادة شرف وابني كان بيتمناها عائلة الشهيد إلهامي عياد

تصوير- فاتن الخطيب

أصر على الالتحاق بكلية الحقوق ليكون يومًا من الذين يُسهمون في إرساء دعائم الحق والمساواة في مجتمعه، وبعد تخرجه التحق بصفوف الجيش سلاح حرس الحدود مستكملا مسيرته بأمنية واحدة وهي الاستشهاد.

إنه الشهيد إلهامي عياد، ابن قرية العقال القبلي بالبداري، أحد شهداء الهجوم الإرهابي الغاشم على كتيبة بالفرافرة في 19/7/2014

الأسايطة” كانت في ضيافة أسرة الشهيد البطل لاسترجاع رحلة حياته من الميلاد إلى الاستشهاد.

الطفولة

عياد حبيب رزق الله، والد الشهيد البطل، كان واحدا من أبطال أكتوبر 73، لا تشهد في حديثه إلا الرضا والثبات والفخر بابنه، وحول استرجاع ذكرى البطل بدأ حديثه: ولد إلهامي في 27/9/1990 وهو الإبن السادس ما بين تسعة أبناء 5 ذكور و3 إناث بخلاف إلهامي، كان شابا عالي الخُلق، يزينه الأدب منذ نعومة أظافره محافظا على صلواته وعلاقته بربه.

يتابع الأب: منذ طفولته لم أسمع عنه شكوى قط لا من الجيران ولا ومن المدرسة فلم يكن طفلا مشاكسا كعادة الكثير من  أقرانه، بل كان حبيب زملائه حتى نهاية جميع مراحل تعليميه، هادئ الطباع ، شجاع مؤدب.

عياد رزق الله، والد الشهيد إلهامي
عياد رزق الله، والد الشهيد إلهامي

الدراسة

يتابع الأب: كان متميزا في دراسته، وكان مطيعا للغاية “عمره ما يقول لأ”، وتعامله معي أنا ووالدته كان فوق الممتاز، وحتى أيام كان طالبا كان يأتي في الأجازة يجد إخوته يقومون بأعمال في الزراعات فيجرى تجاههم لمساعدتهم “كان مطيع للنهاية”، و” في عز ما كان طالب كان بيشتغل ويكافح والفلوس اللى كان يكسبها كان يديهالنا”.

الالتحاق بالجيش

صور للبطل ببدلته العسكرية التى كان يعشقها تزين حوائط غرفة الضيافة ومن داخلها يستأنف الوالد حديثه: تحرج إلهامي من كلية الحقوق في 2013 وبعدها التحق بالجيش بسلاح حرس حدود، وكان محبا للجيش معتبرا أن له رسالة بداخله عاهد الله على تأديتها، وسبحان الله في آخر أجازة “زى واحد طالب الشهادة ونالها”، فشاهد أخته تبكى أمام التليفزيون لمشاهدتها لحلقة عن أحد شهدائنا فقال  “متفكريش كتير إن شاء الله قريب هتبكى عليا أنا، أنا هموت شهيد”.

الخبر

لم أشعر لحظة أن ابني لن يعد في يوم من الأيام، وبينما أتابع التليفزيون وقتها علمت بخبر استشهاد ابني حينما قالوا إن كمين الفرافرة تعرض لهجوم إرهابي، وتلقيت الخير برضاء بأمر الله “الأعمار بيد الله وكلنا هنموت واللي يموت شهيد أحسن من اللى يموت طبيعي”، كان من الطبيعي أن تنزل دموعي حرقة على فراق ابني ولكني لم أجزع لحظة فلقد كنت يوما أحد مقاتلى 73 وحضرت العمليات الحربية، ومكثت ثلاث سنوات ونصف بالجيش وخرجت بعد حرب أكتوبر بسنتين، ورأيت في ابني بطلا مدافعا عن أرضه.

الوصية

وحول وصايا الشهيد يذكر الوالد: لم يكن له طلبات نهائيا في حياته “كان دايما يقول خليها على الله واللي يجيبه ربك كل كويس”. وكان حلمه العمل بالقضاء.

المشهد

حينما جاءت اللحظة للحديث عن الجنازة ارتفع صوت الوالد لهيبة استرجاع اللحظة وانتفض قائلا: جنازة إلهامي كانت جنازة مهيبة، خرج أهالي القرية خلفه وأهالٍ من القرى المجاورة.

الإخوة

انتقلت دفة الحوار إلى إخوة إلهامي ليروى إكرامي عن أخيه: يصغرني إلهامى بأحد عشر عاما، “إلهامى من وهو طفل مكانش شقى وأى حاجة ترضيه”، وحينما كبر كان صبورا لم يكن يتعصب ويقول “يا عم سيبها على الله كله هيتحل” وكانت كلمته التي تلازمه “سيبها على الله”.

يُكمل: “كان ملاك هادي وكل الناس بتحبه” وكان محبا للهزار، “الساعة اللى يقعد معانا يبقى البيت كله متجمع، ونسأل في إيه؟ يقولوا إلهامي موجود، كان نكتة البيت”.

آخر مكالمة

وحول آخر مكالمة لأسرته يروى إكرامى: آخر مكالمة كانت يوم استشهاده في الحادية عشر صباحا حدثني أنا وإخوته ووالدي ولكن أمى كانت خارج المنزل وكنا فى رمضان فسألته كيف حالك فقال “الحمد لله كويس بنقعد فى النهار مع بعض وعلى المغرب بنجهز الفطار ونفطر مع بعض الكتيبة كلنا مع بعضينا وحاجة حلوة” وقال لأبيه “سلام يا غالى” فاستغرب والدي على الكلمة لأنه لم يعتد مناداته بها فلم يناديه بها إلا قبل استشهاده بأيام وكررها فى المكالمة الأخيرة فقال له “إيه حكاية سلام يا غالي؟” فرد إلهايى “عادى يا أبويا انت أبويا الغالي”.

الأخ والأب

أسامة الأخ الأكبر للشهيد والأب الثاني له، يسترجع سيرة أخيه قائلا: “إلهامي بالنسبالي مكانش أخ كان ابن” كان ينتظرني في عودتي من الجامعة لأنه كان يحب أن أحضر له معي الموز وكان ينتظرني على الباب، فأنا أكبره بأربعة عشر عاما، فكان طفل قنوعا جدا وبعدما شب كان قمة في الطاعة.

يتابع: كان أخي وطنيا من الدرجة الأولى وفى 30 يونيو كنت أتصل به وهو في المظاهرات أقول له “أنا خائف عليك إرجع”،  فيقول “لا دى مصر” وكان عاشقا للرئيس السيسى ويسميه “منقذ مصر”، ويقول لي “انت بعيد انت مش فاهم حاجة أنا مش راجع انت مش عارف يعنى إيه مصر، مصر لو ضاعت إحنا مش زى أى دولة تانية”، وكان مولعا بالقراءة والتاريخ ومثقف جدا حتى إنه في المرحلة الإعدادية حصل على 60 من 60 فى التاريخ، وكان متابعا للأحداث الجارية ومحلل جيد لها.

أسامة، الأخ الأكبر للشهيد إلهامي
أسامة، الأخ الأكبر للشهيد إلهامي

صفات

يتابع: كان سخي وحين يعود من القاهرة من عمله، كان يحضر هدايا للجميع من إخوته ولا يُحضر شيئا لنفسه، وكان محبوبا من زملاء دراسته ومنهم من جاء من بلاد لتقديم واجب العزاء.

رفض

حينما التحق بالجيش قلت له “هكلمك حد ينقلك مكان تانى أهدى شوية، فقالى لأ متتدخلش فى جيشي خالص سيبني زي ما أنا وزي ما يوزعوا زمايلي يوزعوني” فلقد كان يكره الوساطة جدا واتصل بوالدي وقال له “خلى أسامة ميدخلش عشان أنا مزعلش”.

كان متسامحا جدا لا يرد السيئة بالسيئة، وفى آخر أجازة له قال لأخته “بتعيطي ليه أنا ياريت أبقى شهيد، انتي هتعيطي زيها ويمكن يجيبوكي فى التليفزيون والإذاعة زيها”، وقال لها “هبقى شهيد هشرف بلدي وهشرف قريتي وهشرف أسرتي وهسيب لكم ذكرى تفتكروني بيها طول العمر”.

الغضب

يُكمل: كان هناك حادث قبل حادث الفرافرة بثلاثة أشهر وكانوا في الكتيبة 101 وكان زملائه وفى نفس المنطقة وفور سماعه بالخبر كان سيُجن يريد أن يُنهى أجازته وطوال الليل يطمئن على زملائه.

المعركة

لم تفارق الدموع أعين أسامة للحظة فى حديثه والتقط أنفاسه محاولا الثبات وقال: زميل لأخي حكى لنا ما دار فى المعركة وقال بدأ الضرب حوالى الثالثة أو الرابعة وظللنا نقاتل حوالي ساعتين ونصف، وإلهامي آخر من استشهد من الموجودين. “هو فداني أنا” لقد كان متخذا لساتر أمام مخزن الذخيرة وكان معه ضابط اسمه محمد إمام وظللنا نضرب ونقاتل بكل صلابة، فأصبت بطلقات فخرجت عن الساتر فأحد الإرهابيين خرج لضربى وأثناء الضرب علىّ نفذت ذخيرته وفجأة شاهد أخوك الموقف فخرج من الساتر الخاص به وضربه  وأصابوه وجاء إرهابى آخر للانقضاض علىّ بعدما رآنى مصابا وأنزف فخرج ثانية من مكان لضرب الإرهابى وظللنا نضرب، وأصيب إلهامى بطلق قناصة الكتف الشمال وبعدها عاد لموقعه وظل يضرب طلقات عليهم وبعدها تفجر المكان ولم يسمع أحد صوت أحد آخر، والشظايا التى خرجت من التفجير أنهت حياته.

الجثمان

أنا الوحيد الذى شاهدت جثمانه، “لقيته بيضحك كأنه نايم ومبتسم ابتسامة عمري ما شفتها”، ووقتها وجد الرئيس السيسي ابن عمي منهارا فقال له الرئيس “ياريت كنت أنا”، فتذكرت وقتها كلمة قالها إلهامي فى بداية حكم الرئيس السيسي  “أنا فدا السيسي” ومرت الأيام وقال الرئيس السيسي نفس الكلمة.

تدافعت دمعات أسامة بشدة وقال: أثناء وجودنا بمطار سوهاج وجدنا لواءاً  تنهمر الدموع منه بشدة جاء ناحية سيارة إلهامي وطرق على الصندوق بيده وقال لي “خلى بالك من البطل” وانهمر في البكاء.

الحب

كانت نهاية الحديث مع الأخ الأصغر الذي اتخذ من إلهامي قدوته ليقول أمير: أنا طالب في الفرقة الأولى كلية الحقوق والسبب الرئيسي لدخولها هو إلهامي، لأني متأثر به جدا وبمبادئه، فكانت مقولته الشهيرة “العدل أساس الملك”.

ولما دخل سلاح حرس الحدود قلت له “يعني إيه حرس الحدود؟ قال “إحنا اللي حاميين حدود البلد ولو سبناهم هيدخلوا البلد والناس اللي استشهدت دي استشهدت علشان الناس تعيش”.

أمير، الأخ الأصغر للشهيد إلهامي
أمير، الأخ الأصغر للشهيد إلهامي

ولما سألته حينما استشهد زملائه لو كنت موجودا ماذا كنت ستفعل رد قائلا: “مكنتش هبطل ضرب نار هو مش مقاتل هو مقاتل أسود لا عنده عزيمة ولا عنده قوة بيستخبى ورا القنابل”، وكان يقول علينا أن نكون فدائيين “مصر لازم تعيش حتى لو مات منها القلة عشان الكل يعيش” وأنا مع الحديث الشريف “مصر خير أجناد الأرض”، شعرت أن إلهامي أيقن أنه سيستشهد بعد حادث استشهاد زملائه الخمس في الحادث وقال “دمهم مش هيضيع هدر”.

تراه متحدثا لبقا وخطيبًا بارعًا يسكن إلهامي ملامحه ويُكمل حديثه: لم يكن لأخي متاع في الدنيا ولا قصة حب مع حبيبة، فكان حبه مصر.

 

 

 

 

 

 

الوسوم