“وجه تحت المطر”.. قصة يكتبها عادل حافظ

“وجه تحت المطر”.. قصة يكتبها عادل حافظ الأديب عادل حافظ

سكون مريب يخيم على السماء وهى تتدثر بأستار السحب، بينما خيوط النور تتسلل من خلالها ترسل إلى الأرض أنباء يوم جديد، الصباح ما يزال يزحف في بطء، وشوارع المدينة تكاد تخلو من المارة في هذا الوقت المبكر فبدت وكأنها مهجورة، لولا أزيز موتورات بعض السيارات التي تمرق خلال الطرق الخاوية، فتكاد تحطم هذا الصمت الرهيب، طال الصمت وكأنه في انتظار شيء ما يبدده، يحطمه، وجاء عنيفا، قويا، لا يرحم، بكت السماء كالثكلى تنعى فلذتها، حفرت الدموع انهارا وبحيرات أغرقت وجه المدينة والسماء تصر على أن تخلع ثوبها الذي كانت تتدثر به منذ لحظات وبحيرات الدموع تعزل الأبنية بأسوار من الماء يصعب على هؤلاء البشر اجتيازها، ولكن لا مفر فالعمل لا يعرف الانتظار وسير الحياة لا يوقفه بكاء السماء.

خرج الناس بعضهم يهرول في معاطف واقية، وبعض أخر يحتمي بصدر صحيفة وآخرون نشروا فوقهم مظلات يدوية يدفعون بها خيوط المطر، والنساء يحتمين بحضن شجرة أو مدخل بيت، تبدلت أناقتهن بشيء جديد لا ينتمي إلى الأناقة، تسريحات الشعر”الباروكات”، مساحيق البشرة وكريمات التجميل ذابت، اختفت في زحام المطر، السيارات كانت بالأمس تتسابق، صارت تخطو في خفر كعذارى في يوم العرس وصمتت السماء حينا، والناس والمارة ينقلون أقدامهم بحذر بين الأنهار الصغيرة وسط الكتل البشرية التي تتحرك هنا وهناك، وجه جاد لسيدة شابة تهرول في خطوات سريعة، تدفع بين يديها المرتعشتين بعربة صغيرة وسدت بها صغيرها الذي بدا لاهيا بلعبة صغيرة يضمها إلى صدره وكأنه لا يعير الصقيع الذي يلف المدينة حوله أدنى اهتمام، تشق الأم الشابة طريقا بين الناس، عيناها حائرتان، عين على الطريق تتبين موطىء قدميها، وعين ترقب صغيرها في عربته الأنيقة، وعادت السماء تصرخ من جديد، رعد، برق، سيل جارف من دموع باردة لا تريد أن تبقى ولا تتذر، تكاد تعصف بكل شيء على وجه الأرض بلا رحمة.

ارتجفت الأم الشابة سرت بها رعشة خوف، التقطت صغيرها بسرعة، ضمته إلى صدرها، ودمعة حائرة أسكبت فوق صفحة وجه الأم وهى تظلل رأس طفلها بكل وجههاـ تجرى لاهثة، تبحث عن ثمة شيء تحتمي به، أي شيء، ولاذت بجذع شجرة عتيقة، تنهدت من أعماقها، انفرجت قسمات وجهها الشاب الرقيق عن شبه ابتسامة وهى تتحسس صغيرها، تطمئن أن شيئا ما لم يمسسه، دون أن تدرى أن ثيابها قد طالتها السيول، والسماء لا تكف عن صراخها، عواصف من رعد، سهام من برد، بحار من دمع تقذف بها السماء بعصبية إلى الأرض، وطالت وقفة الأم وخرير الماء حولها لا يريد أن يتوقف.

وبدأت تشعر أن شيئا ما يجمد أطرافها، وأن سهاما من حديد بارد تنغرس في جسدها، تنتفض، ترتعش بعنف ولا تستطيع حراكا، رفعت عينيها إلى السماء تستعطفها، تتوسل إليها أن تكف عن البكاء، أن تجفف دمعها رحمة بصغيرها، ثم عادت الابتسامة الحلوة إلى وجه الأم الشاب، بينما أطل صغيرها بوجهه بين ذراعيها، يلثم خديها، وقرص الشمس يستدير ليأخذ مكانه في قلب السماء.

 

 

الوسوم